‏إظهار الرسائل ذات التسميات لنتدبر القرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لنتدبر القرآن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الجمع بين الأسباب والتوكل

0

 
[...] التوكل إنما يكون مع الأخذ بالأسباب، وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، والإنسان مسوق إليه بمقتضى {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ومأمور به في الشرع. قال -تعالى -: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15] وقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} [النساء: 71] وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] وقال: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] -راجع تفسيرها- وقال لنبيه لوط -عليه السلام -: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] وقال لنبيه موسى -عليه السلام-: {فأسر بعبادي ليلا} [النساء: 23] وقال في الحكاية عن نبيه يعقوب لنبيه يوسف -عليهما السلام -: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} [يوسف: 5] وقال حكاية عنه أيضا: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67] فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه، فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا تنافي بينهما، ولا غناء للمؤمن عنهما.

ذلك بأن الإنسان إذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهبته بحسب سنة الله في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا، كما قال -تعالى- في مسألة الإسراف في المال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وإذا هو استعد وأخذ بالأسباب واعتمد عليها غافلا قلبه عن الله - تعالى - فإنه يكون عرضة للجزع والهلع إذا خاب سعيه ولم ينل مراده فيفوته الصبر والثبات اللذان يهونان عليه الأمر، حتى لا يدري كيف يستفيد من الخيبة ويتدارك أمره فيها، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح؛ ولذلك قرن الله الصبر بالتوكل في عدة آيات من كتابه، قال - تعالى - حكاية عن الرسل -عليهم السلام - في محاجة أقوامهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] وذكروا أن الله هداهم سبله وهي سننه في الأسباب وأنهم موطنون أنفسهم على الصبر لأنهم متوكلون عليه - تعالى -. ووصف الذين هاجروا من بعد ما ظلموا بقوله: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 42] وقال: {نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [العنكبوت: 58 - 59] فوصفهم بالعمل وأسند إليهم الصبر والتوكل، وقال لخاتم أنبيائه ورسله: {فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون} [المزمل: 9 - 10] كما قال له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [الأحزاب: 48] فهاهنا قرن أمره بالتوكل بنهيه عن العمل بقول من لا يوثق بقوله لأنه يغش ولا ينصح، كما أنه قرنه بالأمر بالمشاورة في الآية السابقة من الآيات التي نحن بصدد تفسيرها أعني قوله: {وشاورهم في الأمر} وكل ذلك من اتخاذ الأسباب سلبا وإيجابا.

وجاء ذكر التوكل في مقام ذكر الحرمان من الرزق أو من سعته، كما جاء في مقام الصبر على إيذاء المعتدين كقوله -تعالى -: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] وقوله في مقام وجوب نبذ الاغترار بسعة الرزق خشية الغفلة عن الآخرة: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [الشورى: 63] وحسبنا هذه الآيات في هداية القرآن وتحقيقه في مقام الجمع بين الأسباب والتوكل [...].


محمد رشيد رضا، تفسير المنار، آل عمران، 159-160

طالع أيضًا:

الله يجري إرادته بالأسباب والمسببات

اقرأ المزيد »

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

هل الإنسان مخير أم مسير؟

0


وتحرير الكلام في هذه المسألة أنه - تعالى - بين لنا في كتابه ثلاث حقائق، وبين لنا ضلال الذين ضلوا فيها واحتجوا بواحدة على بطلان الأخرى:


(الحقيقة الأولى) أنه - تعالى - هو خالق كل شيء الذي بيده ملكوت كل شيء وبمشيئته يجري كل شيء، فلا قاهر له على شيء وهو القاهر فوق كل شيء.


(الحقيقة الثانية) أن خلقه وتدبيره إنما يجري بحسب مشيئته وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير { { قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137] وفي تفسير كثير من الآيات التي تذكر فيها المشيئة أو السنن الإلهية.


(الحقيقة الثالثة) أن من جملة سننه في خلقه وقدره في تدبير عباده أن الإنسان خلق ذا علم ومشيئة وإرادة وقدرة، فيعمل بقدرته وإرادته ما يرى بحسب ما وصل إليه علمه وشعوره أنه خير له. والآيات الناطقة بأن الإنسان يعمل وبعمله تناط سعادته وشقاوته في الدنيا والآخرة كثيرة جدا. وهو ليس في ذلك معارضا لمشيئة الله ولا مزيلا لها، بل مشيئته تابعة لمشيئة الله ومظهر من مظاهرها كما قال: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } [التكوير: 29] وقد جرت سنته بأن يشاء لنا أن نعمل عندما يترجح في علمنا أن العمل خير من تركه، وأن نترك عندما يترجح في علمنا أن الترك خير من الفعل، كما هو معلوم لكل من يعرف ما هو الإنسان.


وإننا نرى الكتاب العزيز يذكر بعض هذه الحقائق الثلاث في بعض الآيات ويسكت عن الأخرى؛ لأن المقام يقتضي ذلك - ولكل مقام مقال - ولكنه ينكر على من يجحد شيئا منها جحوده ويبين لنا خطأه وضلاله كما بين خطأ الذين قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } في موضع وبين خطأ من ينكر مشيئته - تعالى - في موضع آخر، فهو ينكر على من ينكر ما آتاه الله من المواهب والقوى، ويكفر له نعمة العلم والإرادة والقدرة لا سيما في مقام الاعتذار عن تقصيره في شكر هذه القوى باستعمالها في الخير والحق، كما ينكر من يغفل عن كونه - تعالى - هو المنعم بهذه القوى التي يجلب بها الخير عندما تبطره النعمة فينسبها لنفسه وحده وينسى ذكر ربه وشكره. وقد جمع - تعالى - بين الأمرين في بعض المواضع كقوله في سورة النساء: { { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } [النساء: 78 - 79].


وقد صرحوا بأن هذه الآيات نزلت في قوم من المسلمين آمنوا، ثم لما علموا بأنه كتب عليهم القتال ضعفوا وأنكروا وقالوا ما قالوا احتجاجا لأنفسهم واعتذارا عنها، فأجابهم - تعالى - مبينا لهم الحقيقة الأولى، وهي أن كل شيء من الله من حيث إنه الخالق للقوى والواضع للسنن والمقادير، ثم بين لهم الفرع الذي اقتضى المقام بيانه من فروع الحقيقة الثانية وهو أن الحسنة التي تصيب الإنسان هي من عند الله، بمعنى أنه خالقها وواضع السنن الطبيعية والاجتماعية التي يوصل بها إليها والخالق للقوى الكاسبة لأسبابها، فينبغي أن يذكر عندها ليشكر عليها وأن السيئة التي تصيبه من عند نفسه، بمعنى أنه الكاسب لها والمنحرف عن سنن الله وشريعته في طريق تحصيلها، فيجب أن يرجع على نفسه باللائمة ويردها إلى التوبة، كذلك الآية [(... يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران 154)] قد جمعت بين الحقيقتين. الأولى قوله - تعالى -: { إن الأمر كله لله } والثانية قوله: { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } أي لما حصل القتل الثابت في علم الله - تعالى - إلا ببروزهم من بيوتهم إلى مواضع القتال التي يصرعون فيها. وبروزهم هذا من أعمالهم الاختيارية [...] ويؤيد إثباتها لحقيقة عمل الإنسان واختياره الآية الكريمة التالية وهي:


{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان بالوسوسة [...].


[...] توليهم عن القتال لم يكن إلا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل، فإنها هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم حتى أعدتها إلى ما وقع منها، ويؤيد هذا الوجه قوله - تعالى -: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] [...]، فالآيتان واردتان في بيان سنة من سنن الله - تعالى - في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في أبدانهم وشئونهم الاجتماعية إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، وأن من أعمالهم ما لا يترتب عليه عقوبة تعد مصيبة وهو المعفو عنه، أي الذي مضت سنة الله - تعالى - بأن يعفى ويمحى أثره من النفس، فلا يترتب عليه الأعمال وهو بعض اللمم والهفو الذي لا يتكرر ولا يصير ملكة وعادة. وقد عبر عنه في الآية التي هي الأصل والقاعدة في بيان هذه السنة بقوله: { ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] ويؤيد ذلك قوله - تعالى -: { { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } [فاطر: 45] أي بجميع ما كسبوا، فإن " ما " من الكلمات التي تفيد العموم [...].


أما قوله - تعالى -: { ولقد عفا عنكم والله } فالعفو فيه غير العفو في آية الشورى، ذلك عفو عام وهذا عفو خاص، ذلك عفو يراد به أن من سنة الله في فطرة البشر أن تكون بعض هفواتهم وذنوبهم غير مفضية إلى العقوبة بالمصائب في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا العفو خاص بالمؤمنين يراد به أن ذنبهم يوم أحد الذي كان من شأنه أن يعاقب عليه في الدنيا والآخرة قد كانت عقوبته الدنيوية تربية وتمحيصا وعفا الله عن العقوبة عليه في الآخرة، ولذلك قال: { إن الله غفور حليم } لا يعجل بتحتيم العقاب. ومن آيات مغفرته لهم وحلمه بهم توفيقهم للاستفادة مما وقع منهم وإثابتهم الغم الذي دفعهم إلى التوبة حتى تمحص ما في قلوبهم واستحقوا العفو عن ذنوبهم.

 



اقرأ المزيد »

الجمعة، 14 مارس 2025

سر استخدام القرآن لأسلوب التعنيف في حق بعض الطوائف والأشخاص

0

 


وعندما يتحول الخطأ إلى عقيدة ضاربة الجذور في أعماق النفس، وعندما تتحول هذه العقيدة إلى أساس متين لنظام يفرض تعاليمه على المجتمع، وعندما يكون التعرض لهذه العقيدة تعديا على النظام، وتحديا للسلطة القائمة.

عندئذ يتوسل الحق إلى بلوغ أغراضه بطرق أخرى إلى جانب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه الطرق ليست عدوانا، بل حدًا لعدوان، وكسرًا لطغيان..

فالرجل الذي شاخ وهو يدرس الخطأ ويدعو إليه، ويريد أن يستمد من شيخوخته وقارًا يدعم به الباطل، ومن علو منصبه في المجتمع هالة يحيط بها الأكاذيب -هذا الرجل لا يرى الإسلام حرجًا من تجريح مكانته وخدش منزلته، لا إهانة لشخصه، بل إهانة للضلال الذي يمثله، ويجتهد في الإبقاء عليه.

وهذا هو سر تعنيف القرآن الكريم لبعض الطوائف والأشخاص، وحملته القاسية عليهم.

"تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)"!!..

"كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)".

"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"..

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث..".

وهذه الآيات كما أنها قمع للباطل في أشخاص الكبار من ممثليه، هي كذلك تجرئ للناشئة من المؤمنين، حتى يشبوا وليس في نفوسهم إلا إجلال الحق مهما هانت منزلة أصحابه، وازدراء الضلال مهما علت مكانة ذويه.

وهذا أسلوب من التربية والتوجيه تنهجه الدعوات في كل زمان ومكان. فلا غرو إذا اتبعته رسالة القرآن، والله عز وجل أعرف بعباده وما يخاطبون به.

"وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

إن انتهاء الفكرة العارضة إلى نظام راسخ يتيح لها في الحياة العامة حقوقًا شتى، فالبرامج التي توضع للتلامذة في مدارسهم تقوم على تثقيف الطلاب بأصول هذا النظام وفروعه، وتتعهدهم وهم ناشئة غضة حتى يكبروا وهذا النظام جزء من نفوسهم وعقولهم!

والتقاليد التي تسود المجتمع وتتحكم في سلوك الأفراد تلزمهم مقاييس خاصة في فهم التقدم والتأخر، والرفعة والضعة، والاستقامة والشر، وهذه التقاليد تقوم هي الأخرى على احترام النظام السائد، وتوجيه الجمهور إلى الاستكانة إليه، بل إلى التسابق في تقديسه!!!

ولو أن رجلا من غمار الناس سرق أمة من الأمم -كما [يفعل] الملوك الذي يسرقون أقطارًا شاسعة وخلائق غفيرة- ثم استقر الأمر للسارق، لأمسى بين عشية وضحاها صاحب جاه عريض وجلالة كبرى، ولأمسى أهله أمراء ونبلاء تنحني لهم الهامات!!!

فلا عجب إذا كانت الدعوات المعارضة -لمثل هذه الأوضاع المستقرة- تقرن بين النصح والوخز، وبين الهدي والإيجاع.

وعذرها في ذلك بيّن. فالفرق كبير بين خطأ تافه، وبين خطيئة مبسوطة السلطان.

ونحن نرى القرآن الكريم يشرح الأدلة على البعث مثلا بأسلوب هادئ في سور كثيرة، بيد أن ذلك لا يمنع من تجريح مجتمع أقام كيانة على الكفران باليوم الآخر، وأشاع في نواحيه الإباحة والإلحاد.

"إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)".

على هذا النحو ينبغي أن نفهم أسلوب القرآن الكريم في العنف واللطف وخطابه المنوع لصنوف الناس.


محمد الغزالي، في موكب الدعوة، ص144-145


طالع أيضا:

هل استخدام التهديد والوعيد في الوعظ الديني مغالطة منطقية؟



اقرأ المزيد »

الأحد، 9 سبتمبر 2018

نظرة القرآن للمال، وهل الفقر منقبة؟

2

في ظل بعض ما يطرحه الدعاة من دعوة إلى الزهد والتقشف ذاكرين بعض قصص الموروث عن الزهد صار البعض يظن أن الفقر منقبة والمال مذموم.

وأنا من اللواتي أصابني هذا الخلط خصوصا مع ملاحظتي انتشار الغلو في المعاني المادية والاستهلاكية سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول، فنحن نرى أمما مترقية في المال ولها حضارة ونهضة وصناعة ولكنها بذات الوقت فيها فقراء وجوعى، ووجود الجوعى جعلني إحدى اللواتي حقدن على المادة والمال والسرف والنظرة المادية الباذخة وغاليت في هذا ولم أستطع أن أميز الضبط الذي تحتاجه قضية المادية حتى تأملت آيات القران فبدأت نظرتي تصبح متزنة بفضل الله أكثر، من الآيات التي أثرت بي وأتمنى ان تتأملها أيها القارئ الكريم آية: 

(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) [سورة النساء 5]

ومعنى "قياما" كما ذكره ابن عاشور هو: [والمعنى أن الأموال تقويم عظيم لأحوال الناس.]

وفعلا في الحقيقة لا نستطيع عمل التجارب العلمية إلا بالمال ولا علاج أحبتنا المرضى إلا بالمال، ولا توفير التعليم والغذاء للفقراء إلا بالمال وعندما يموت ابني جوعا أو مرضا فلن أستطيع الادعاء أن المال ليس من أسباب السعادة بل هو فعلا فيه تقويم عظيم لأحوال الناس (أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)**

إذن تقرر لدينا من الآية أن المال فعلا شيء إيجابي وقد جعله الله لنا قياما، ولا ينبغي عليّ بغضه أو الإدعاء أن الفقر منقبة، إنما السلبي هو انتشار مفاهيم مادية خاطئة مثل طغيان المعنى المادي على المعنى الإنساني والقيمي، فمن المفترض أنه لو مات ولد جوعا ولا أملك ما أطعمه فلن أبكي لأنه ليس لدي مال بل علة بكائي الحقيقية "إنسانية" وهي حزني على الولد، ولكن الحاصل أن بعض البشر يموتون وتسلب ثروات بلادهم لأجل أن البعض الآخر المسيطر شره بشراسة نحو المال، ولا يبالي بفقر البشر أو موتهم ولا يبالي بالظلم طالما جيبه مليء. 

(وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) [سورة الفجر 18 - 20]

طغيان المادية لديهم (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَما) وحبهم للمال غلب حب الخير فلم يحضّوا على طَعَامِ الْمِسْكِين وأكلوا ميراث الناس ظلما وعدوانا بسبب أنهم يحبون الْمَالَ حُبًّا جَمًّا مفرطا ! (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)، وهذا من أشد ما تعانيه البشريه اليوم وكل دولة تسعى لمصالحها المادية مقتاتة على موارد الفقراء وظلمهم.

وتلخيص هذا الخطأ هو أنهم جعلوا المادة غاية لا وسيلة لإسعادهم وإسعاد البشرية ودون مراعاة لأي مرجع أخلاقي أو إنساني أو ديني والصواب نقل المال من عرشه هذا وإرجاعه وسيلة لا غاية.

ومن الأخطاء أيضا في التعامل مع المال خطأ التبذير، ومعنى الإسراف والتبذير بحسب ابن عاشور: (تفريق المال في غير وجهه، وهو مرادف الإسراف، فإنفاقه في الفساد تبذير، ولو كان المقدار قليلاً، وإنفاقه في المباح إذا بلغ حد السرف تبذير، وإنفاقه في وجوه البر والصلاح ليس بتبذير.)

المشكلة أن العادات المبذرة الاستهلاكية متفشية وهي بنظر الناس احتياجات، ومثلا تنتشر عادات مادية في الأعراس هي غير ضرورية لكن حتى الفقراء يطبقونها مستشعرين أنه لا غنى عنها! نعم حتى الفقراء يبذرون بسبب الثقافة المادية الاستهلاكية! وهذه العادات تصبح طقوسا مقدسة وتزداد، فلو ولدت إحداهن يخترعون طقوس ضيافة بأطباق خاصة تستخدم مرة واحدة فقط للولادة وكذلك الأعراس وحفلات النجاح، كل له طقوسه الاستهلاكية الساذجة والتي يتهافت الناس عليها!

ومن الأخطاء أيضا في التعامل مع المال هي وجود أنظمة تخدم الفكرة النكدية التعيسة: (الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا)، وقد حرم الله تلك الفكرة البغيضة ونهى أن يكون المال متداولا بين الأغنياء فقط دون الفقراء قائلا: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) سورة الحشر.

وأفهم من الآية أن كل نظام قائم تكون فيه الأموال متداولة بين فئة قليلة من البشر فهو نظام محرم شرعا ومعلوم أنه حاليا فئة قليلة جداً من البشر يمتلكون أغلب موارد الأرض.

وفكرة (الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا) أساس بنيانها الربا، فببساطة؛ الشخص الذي يدين المال للناس هو أكثر مالا من الشخص الذي يستدين من الناس ومع هذا فالمال يعود للذي أدان أزيد مما أعطاه ، وتلك الزيادة تكون بالطبع على حساب المحتاج الذي تداين وبالنهاية ستظل الدائرة تدور حتى يصبح الذي يدين الناس هو الأكثر مالا والغني يزداد غنى والفقير فقرا والبشرية تعاسة.


تلخيص مقالي:

أننا لا ندعي أننا لا نتمنى المال ولا ندعي حب الفقر ولا هو فضيلة ولا حث عليه الدين ولا الفقر منقبة ولا ممدحة، بل جعل الله المال قياما، ولكن علينا أن نتعامل مع المال بطريقة صحيحة وقد ذكرت أخطاء في التعامل معه على سبيل المثال لا الحصر وهي: (غلبة المادية على الإنسانية + التبذير + الربا والتوزيع الظالم للمال).

فإن سادت هذه المعاني وغيرها فهي مادية قذرة وفساد في الأرض وحينها: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ).

والله تعالى أعلى وأعلم

__

** هذه الآية الخامسة من سورة النساء فيها عمق اقتصادي رائع ولكننا لم نتطرق للتفاصيل حتى لا نخرج عن الموضوع ومن أراد الاستزادة فليراجها من كتاب ابن عاشور في تفسيره لها.


اقرأ المزيد »

الأحد، 2 سبتمبر 2018

انتبه من تحريف كلام القرآن عن موضعه!

0

(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) [سورة النساء: 46]

ومعنى الآية والله أعلم أن اليهود يبدلون معنى التوراة ويغيرونها عن تأويلها وعن وجووهها...

وفي سورة البقرة يقول الله تعالى:

(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة البقرة: 75]

وننتبه لــ: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

أي حتى أنهم ليس جهلا أو عن عدم فهم، بل عن قصد مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون...

هؤلاء الذين يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه موجودٌ مثلهم بيننا، يبدلون معاني الآيات ويؤوّلونها تأويلات أكثرها من أهوائهم ويحمّلون الآيات فوق طاقتها وما لا تحتمله.

وهذه مشكلة قديمة حديثة ففي القِدم حُرفت كثير من المفاهيم القرآنية مثل مفاهيم القضاء والقدر وطاعة الحكام.. إلخ

والمشكلة لا تزال حديثا موجودة سواء في الإعجازات العلمية أو غيرها وسنضرب أمثلة:


غطاء العين:

تارة نجد أحدهم يقول في تفسير آية: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [سورة ق: 22]

يقول: كل إنسان يوجد على بصره غطاء يمنعه من رؤية أشياء كثير، وبعد الموت يصبح بصر الإنسان قويا بعد أن يزاح هذا الغطاء عن العين، عندها سيرى كل شيء الجن والملائكة وغير ذلك.

وبالطبع لا أحد يعلم المصادر التي تأول منها أخونا تفسيره هذا، وكيف تجرأ أن يحرف قول الله عن معناه ومثله كثير، يختلق حقائق علمية لا وجود لها مطلقا ويأتي بالآيات ويكيف تفسيرها بحسب أهوائه.



قطرة العين القرآنية:

أيضا في آية: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [سورة يوسف: 96]

يخرج لنا جماعة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه ليتحفونا بافتراء جديد على القرآن ليخبرونا عن معجزة قطرة العين القرآنية ويدعون تأويلا للآية يقول أن العرَق يشفي العين! إنه لتفسير يذهب جمالية القصة... ويخرج عن سياقها الذي لا يذكر شيئا من هذا ولا يذكر سوى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [سورة يوسف : 96]

قد تحمل الآيه في طياتها تحليلا لطيفا، فربما هي تصور لنا يعقوب النبي عليه السلام وهو يشتم قميص ابنه فيعرف رائحته التي لم يشمها منذ عشرات السنين... يعقوب الأب الحنون الذي لطالما اشتم ابنه وضمه لصدره، فلم ينسَ رائحة ابنه وتذكرها بعد عشرات السنين وارتد من فرحه بصيرا...

في ظل رووعة وعذوبة ورقّة وجمال الآيات تظهر سفاهة تأويل الآية بهذه الإعجازات الخرقاء التي تحرّف الكلم عن مواضعه!



بالنهايه ما من كلمات كثيرة نوجهها لهؤلاء سوى أن نقول لهم:

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة اﻷنعام : 144]


فريق عالم الأكاذيب

طالع أيضا:
اقرأ المزيد »

الأحد، 26 أغسطس 2018

انصر نفسك حين تكون مظلومة!

0

هناك حالتان كلتاهما فهم خاطئ للدين وتفسير مغلوط للرحمة واللين والتسامح فيه، أو لنقل نَسْب تفاعلات وردود أفعال سلبية للرحمة أو اللين أو التسامح وباسم الدين ...

هناك حالة ضعف في الشخصية تجعل من الإنسان ينصاع لمن يظلمه، ويفوّت فرص الدفاع عن نفسه وفرص الرد المكفول على من يَتعدّى عليه أو يمتهن كرامته أو يسلبه حريته ...

هذا الانصياع وهذا الضعف وهذا التفاعل السلبي ينسبه الكثيرون للدين...

فيخبرك أن الدين أمر بالتسامح، بالتغاضي، الله ناصر للمظلوم... فلا مشكلة إن صبر وتحمّل وعدّاها، أو إن صبرت وتحملت وعدّتها .. !

الله لن يضيّع حقي ولن يضيع أجري، وأجري على الله، ومعلش أقتص منه يوم القيامة ...! ويلوذ بالدعاء باكيا منتحبا وهو الذي لم يردّ عن نفسه ضيما...
هذا التواكل، وهذا التعليق على مشاجب دينية بتفسيرات هوائية للدين تعطي صورا خاطئة .. تعطي مفاهيم سلبية عن الدين ...

الدين يأمر بالتسامح والرحمة واللين .. نعم ... وأكيد ...

ولكن.... !!

صاحب هذه العطاءات من نفسه قويّ سميّ غير منتَقَص القدر ولا مُهان الجانب... مقدَّر ... يعطي من نفسه كل هذا وهو راض وهو معافى... وليس مغصوبا، منتهَكا، محتَقَرا ...

بل أنّى للمُهان المحتقر المغصوب المظلوم أن يعطي من نفسه هذا بسلام نابع من سلام ؟! أي سلام داخلي هذا الذي سيفيض سلاما على الناس ؟!

وحاشا الدين... حاشاه ... وهو يكفل للإنسان كرامة وقيمة، وحقا للنفس...
وهو يعلم خباياها وضعفها وما من شأنه أن يعليها وما من شأنه أن يدنيها ...

لا يرضى الظلم، ولا يرضى أن يقبل الإنسان على نفسه الظلم، ويعطيه حق الدفاع والانتصار واسترداد الحق وردّ الاعتبار، ويتوعد الظالم ويفتح للمظلوم الباب على مصراعيه للاقتصاص من ظالمه ورد حقه واعتباره: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء : 148]

فلماذا نُنزِل مفاهيم من الدين غير منازلها؟! لماذا يُنسَب للدين ضعف الشخصية أو سوء التصرف، أو الرضى بالذل، أوالخنوع والخضوع للظالم؟!

هذه واحدة الحالتَيْن... حالة يؤوّلها الكثير من أصحابها تأويل "التديّن" المغلوط، التدين الذي يصيّرون فيه الضعف والخنوع والخضوع والذل تسامحا ورضى ولينا .. !

أما الحالة الثانية فهي ما يسيطر على كثير من الأذهان من أن التدين هو هذا، وكأن الدين لا يعترف بتقلب الأحوال، وبأن لكل مقام مقالا ... فيجعلون باب التسامح مفتوحا في كل مقام، وباب اللين مفتوحا في كل مقام، وكأنه لا استثناء ولا قراءات متفاوتة متغايرة للأوضاع التي يوضع بها الإنسان ...

فإن هو ظُلِم صمت، وإن انتُقِص قدرُها وامتهِنت كرامتها صمتت وتصبّرت قائلة : "الصبر مفتاح الفرج"... !!

وإن أخِذ حقه طأطأ رأسه ولم ينبس ببنت شفة واحتسب وحَوْقَل... وإن أهين صمت وسارع لتلك الحبّة المسكّنة قائلا: "سيردّ الله لي حقي"...!

هؤلاء علّتهم ليست ضعفا في الشخصية بل مفاهيم مغلوطة عن الدين توارثوها غلطا عن غلط جعلتهم يحتسبون في كل حال، ويلجؤون للدعاء في كل حال دون أي حركة منهم أو تفاعل، ويُحَوقلون، وينتظرون الفرج وهم يتفرجون... !!

يحسبون أنهم يطبقون الدين، وأن الدين سلام يقضي بدوام المسالمة حتى مع من حارب واعتدى ...!!

إذن ففي كلتا الحالتَين يُحال الضعف إلى الدين والتدين، سواء كان ضعفا في الشخصية أو ضعفا في فهم الدين ذاته...

وهذا ما يجعل الكثيرين يمتعضون إذا ما رأوا من ينتصر لنفسه، ويتصدى لمن يعتدي عليه ويتعدى حدوده ...

هذا ما يجعلهم يصفون كل من فعل ذلك بالصلافة والخشونة والغلظة... بينما هو التفاعل السليم ورد الفعل اللازم إزاء من يريد ظلما أو إهانة أو انتقاصا من قدره...

إن الدين لا يقضي بقياس الحالات بمسطرة مليمترية ولا بتشكيلها وِفق قالب جامد لا يتبدل ولا يتحول، بل هو الدين الذي جاء موافقا للبشرية غير نافٍ لتفاعلاتها ولا لتقلباتها، وهو الدين الذي وضع كل مفهوم موضعه السليم فلا يُخلَط فيه الذل باللين ولا يُخلَط فيه الخنوع والخضوع بالتسامح، ولا يُرادِف فيه الاستسلام السلامَ... !!

إنه الدين الذي بيّن أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف...

فلا يُلصقنّ أحدٌ ضعفا فيه بالدين، ولا يجعلنّ آخر الدينَ لينا حتى مع المعتدي، ورحمة حتى بالظالم، وتسامحا حتى مع المضطهِد المذِلّ...!


أسماء حازرلي
 


 
(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)

إن الشائع في الثقافة الإسلامية الحالية هو التسامح والتسامح فقط مع المسيء ومما لا شك فيه أن للتسامح شأن عظيم في الإسلام ويُوجد ما لا أحصره من الآيات الكريمات والسنة النبوية الشريفة ما يُشجعُ على التسامح.

ما أود أن أثيره في هذا المقال هو الفرق بين تسامح القادر وتسامح الخانع. أما الأول فلقد رحبت به الشريعة الإسلامية أيما ترحيب وحثت عليه فهو مُستمَدٌ مباشرة من روح الإسلام وتعاليمه. ولكي نعرض مثالاً موجزاً لهذه القضية من القرآن الكريم نستشهد ببعض من آيات الله الكريمات في سورة الشورى.

(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)

إن هذه الآيات الكريمات تضع النقاط فوق الحروف في قضية هذا المقال. فإن الإسلام لا يمنع القصاص العادل من الظالم بل يحث عليه ويشجعه وإنما يكون التسامح المباح إسلامياً هو التسامح المبني على القدرة على القِصاص وليس تسامح التخاذل والخنوع الذي يربي كثيرٌ من المسلمين عليه أولادهم بدعوى أنه من الإسلام والإسلام منه براء.

ولا يغيب على متأمل وفاهم لروح الإسلام أنه لا يدخل في هذا التخاذل والخنوع من يُظلم وهو لا يستطيع أن ينتصر لنفسه فيحتسب ذلك عند الله عز وجل وإنما يدخل فيه من يتهاون في حقه خوفاً من بطش الظالم، فإن الذي ينبغي ألا يُخشى غيره هو الله العزيز الجبار.

قال الله تعالى في سورة آل عمران آية 173: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)

فنعم تسامح القادر وبئس تسامح الخانع

والله أعلم

 
أحمد كمال قاسم (بتصرف طفيف)
 
اقرأ المزيد »

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

هل في قلبك حرج من القرآن؟

0

نفتح المصحف، نقرؤه، فنخشع ونطمئنّ وندرك بعقولنا وقلوبنا أنه كتاب سماويّ وليس من عند البشر، ثم نخالط الناس بملحدهم وكافرهم ونسمع الشبهات حوله من هنا وهناك، فتبدأ تراودنا الشكوك.. أقرآننا لا يصلح لهذا الزمان؟؟ أم هو ليس من عند الله؟؟!!

ثم إن البعض يشعر بالضيق والحرج من هذا القرآن! نعم هو من عند الله ولكن! قد لا يبدو عصريا ولا يحاكي لغة هذا العصر!

فيحاول أن يجمّله بشهادة غيرنا، فيفرح بخبر إسلام العالم الغربيّ فلان وينشره، علما أن الخبر قد يكون محض كذب وإشاعة.

وإن سمع مثلا أن للوضوء فائدة طبية وأنه ينظف ويعقم الجسم من المايكروبات، أو أنّ للصلاة فائدة صحيّة بسبب حركاتها، أو أنّ الصّوم يساعد على الشفاء من أمراض معيّنة.. إن سمع شيئا من هذا يطير فرحا محاولا إعادة ثقته بقيمة دينه وقرآنه!

أو يلهث باحثا عن إعجاز علمي أو شهادة غربيّ بأن إسلامنا ذو قيمة!

كم فرح المسلمون بشهادة مايكل هارت عندما وضع رسولنا الكريم على رأس المئة شخصية الأكثر تأثيرا في التاريخ الإنساني!!

تعالوا لنغص معا في تدبّر الآية الكريمة التالية لتصحيح بعض مفاهيمنا:

(كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [سورة اﻷعراف 2 - 3]

سبحانه العليم بذواتنا: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ)

عجبا! كيف تضيق صدورنا بقرآننا لمجرد استهزاء مستهزئ وقرآننا من عند الله العظيم العليم!

عجبا! أنحن بحاجة لشهادة مايكل هارت لنثق بعظمة رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه!

عجبا! أنحن بحاجة لاكتشاف فوائد علمية حتى نُقبِل على صلاتنا وقرآننا باطمئنان؟!

ألا يكفيك فخرا وسعادة أن الكتاب من عند الله؟ وهو سبحانه ربّك وربّ مايكل هارت وربّ الغرب الذي تفرح به و باعترافاته بصحّة شيء من دينك، وربّ الملحد الذي تحزن لاستهزائه وربّ كل من اكتشف الاكتشافات العلميّة، إنّه من عند الله يا صاحبي المسلم! من عند الله!

وتأمّل إذ أن الله في الآية قال: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ)

قال: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ولم يقل: كتاب أنزل عليك.

يقول بعض أهل العلم، في القرآن ببعض المواضع يأتي ذكر: "أنزل إليك"، وبمواضع أخرى "أنزل عليك" وعندما تجيء بـ"عليك" كأن فيها نوعا من التكليف، كأن أقول: عليك القيام بكذا، ولما تجيء "إليك" فهي نوع من التّشريف، كأن أهديك شيئا فأقول هذه لك.

يقول الدكتور أحمد عبد المنعم: لماذا جاءت الآية هنا: أنزل إليك وليس عليك؟؟ يقول: 

وكأن فيه إشارة: ينبغي أن تفرح فكيف تقع بالحرج؟؟ أنا الله أعطيتك هذا الكتاب ليكون سببا لفرحك، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا ينبغي أن تكون في حرج منه! ينبغي أن تتشرف به، وأن تفرح به، وأن تستعلي به وتعتزّ فلا يكون في صدرك حرج منه..


أصحاب النار 

(وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ)

 من فهمي للآية نستنتج أن الله يعلم أن بعض الأمور ستستشكل علينا ونحسها تُشبه الأساطير لكن الله يخبرنا أنها فتنة لاختبار حجم الإيمان.

فعلا سبحان الله رغم يقيني بالقرآن لكن بعض الآيات أقف عندها حيرى، مثل قول الله أن الجن يسترقون السمع والله يُرسل الشهب عليهم!

لم أجد تأويلا للآيات يشفيني وبذات الوقت استشكلت علي الآيات، لهذا أقول لنفسي أن هذه الآيات هي فتنة واختبار لاستسلامنا التام لله، هل نستسلم لله قلباً وعقلا أم أن إيماننا سيتهاوى ويكون هشيما تذروه الرياح.

صحيح أنه دين الفطرة والقلب والعقل، ولكن: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [سورة العنكبوت 2]

كيف يتمايز الطالب المجتهد عن المهمل في المثوبة والعقاب إن لم يكن هناك اختبار؟؟

كيف يتمايز الصادق من المدعي للإيمان ولكنه إيمان متهاوٍ:

(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [سورة العنكبوت 3]

في عبودية الله اختبارٌ للاستسلام له، (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [سورة آل عمران 20]



طالع أيضا:
اقرأ المزيد »

السبت، 28 يوليو 2018

لا يكن إيمانك نبتة تقتلعها رياح الفتن!

0

هناك أناس يختارون الإيمان ويعضون عليه بالنواذج مهما كانت الشبهات والصعوبات، وهناك أناس مع أول هبة ريح يفقدون أملهم بالله...

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [سورة الحج 11]

والآية تنتقد هذا الصنف من الناس، إن أصابه خير اطمأن وإن أصابته فتنة انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ...

يعني الإيمان شجرة راسخة لا تخلخلها الفتن، ولا تتخلخل إن لم نفهم آية من القرآن أو إن رأينا تناقضا ظاهرا بين العلم والآيات.

بل إيمان راسخ كما تصف الآية: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [سورة آل عمران 7]

لا يكن إيمانك نبتة تقتلعها رياح الفتن! بل راسخ كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

فريق عالم الأكاذيب
اقرأ المزيد »

الاستعلاء الثقافي والاستكبار النفسي في قبول الحق

0
قال الله تعالى مخبرا عن ثمود قوم صالح: 

{قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76)} .الأعراف.

* لَدائما نقرأ هذه الآية ولا نرى فيها إلا حوارا وسجالا "قديمين غابرين" حول من آمن بالرسل وكفر بهم، ولكن هل تأمّلنا في الطريقة والآلية التي وقع بها ذلك التكذيب والاستعلاء عن الحق والمعجزات؟!

فلنتأمّل قوله سبحان {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون) وخصوصا "إنا بالذي آمنتم به"

قد جعل الكفار بِصالح كُفرَهم مُناطا بتبرير، قد كان كافيا في نظرهم، لردّ الحق والاستهتار بالمعجزة ألا وهو أنّ المستضعفين الفقراء من غير النخبة ومن كانوا دونهم دائما، قد آمنوا بصالح عليه السلام ورسالته، وهذا كان دليلا كافيا على أنّ تعاليم الرسالة ليس لها "شرف" الحق لكي يُتّبع، وإن آمنوا سيكونون سواءً مع الفقراء والبسطاء، وهذا ما حملهم على التكذيب بقولهم إنا بالذي آمنتم به كافرون، فذلك الذي آمنتم به لن نرضى به لأنّ ذلك الحق قد أدرجكم معنا إن نحن آمنّا به أيضا. وهذا ممّا لا يليق بمقامنا!

وهذا مثل قول الله تعالى في آية أخرى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} الأحقاف.

بمعنى أنّه لو كان خيرا ما كان فقراء ومستضعفون أن يعرفوه قبلنا ويملكوه قبلنا مع أننا أهل السَّبق لكلّ ترف ولكلّ جديد ولكلّ سديد! أي أنه إن لم يأتِ منّا فإنه بالضرورة شرّ ولا خير فيه، لأنّنا نحن أهل الخير وأصحابه دائما، وهذا الاستدلال العكسي، هو الذي حملهم على معاداة الحق لا لأنه باطل وشرّ بل لأنه ضرَب في صميم كبريائهم، ولم يحملوا عناء التدقيق فيه أو تأمّل محتواه.

وآية أخرى قالها قوم نوح لنوح عليه السلام: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ( 111)} الشعراء.

إذ كيف نؤمن لك يا نوح فنتساوى مع الأراذل والفقراء والمتهتّكة أحوالهم؟!

- فكيف لقوم يشعرون أنهم يصنعون ويبرمجون ويطيرون في الفضاء وينزلون تحت الأرض، ويبحثون في مخابئ الدماغ، ويستبدلون الأعضاء ويزرعون القلوب الاصطناعية، ويتصدّقون على فقراء العالم بفائض ملابسهم ويشفعون للمظلومين في بلدهم، ولهم الوصاية على العالم كلّه، ويعلّمون الناس كيف يزرعون ويأكلون ويدّخرون وكيف يجمعون أزبالهم ويعيدون تكريرها وكيف يعاملون أزواجهم وكيف يربّون أولادهم و... إلخ، كيف لهم أن يقبلوا الحق والصواب وأحسن الخيارات في المجالات الإنسانية والثقافية والدينية ممّن هم دونهم... كيف؟! كيف! وهل سيقبل غني متصدق نصيحة وحكمة من متشرد يسأله درهما؟!

هذه العقلية المريضة المتخمة بالتّرف التي لا يبهرها إلا من جاءها بأغلى ممّا عندها وأكثر إغراء ممّا تملك تربط دائما الحق والصواب بالبريق والتّرف وبالنادر العجيب، "ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون" فمن تكلّم عن الله تعالى رسولا لا ينبغي له في منطقهم المشبع بمعامِلات التّرف ومعادلات "الأكبر والأغنى والأروع" أن يشرب ماء ولا أن يأكل طعاما! سيؤمنون له ربما إن عاملهم بتعال وظهر لهم مستهلكا لشي لم يرو مثله قط.

إن الاستعلاء الثقافي والاستكبار النفسي لا ينتج بالضرورة إنسانا يأسره الدليل ويخضعه المنطق القويم كما علّمونا دائما، بل لا تخلو تلك البهرجة والترف من ضريبة غــــالية الثمن، يدفعها الانسان التابع لها إن لم يتحرّر من قيودها الخفيّة. ولنا في أحوال البسطاء والفقراء عبرة، فلا أحد يلتفت إليهم، ولا أحد يسمع لهم، وقضية خاسرة ابتداء مع قوم لا يفتحون عقولَهم إلا لمن حدّثهم بمنطق آخر سيّارة فاخرة أو أغلى فندق أو أرقى طعام! تخيّلوا...

وقليل من المترفين والأغنياء وأصحاب السلطة مستثنون.

أبى الله إلاّ أن يجعل الحق والإنصاف من نصيب النفوس الزكيّة الكريمة حتى إن كانت في ثقافات جاهلة متخلّفة، وجعل للحقّ نكهة كريهة في أفواه المستكبرين والمترفين لكي لا يمثّلوه فيفسدوا صفاءه.


حَـسَـــن خَالـــدِيْ
اقرأ المزيد »

الجمعة، 27 يوليو 2018

حرية الاعتقاد في القرآن

0
صحيح أننا محاسبون على أفكارنا واعتقاداتنا وسوء ظننا.. لكنها بالنهاية أفكار وقناعات شخصية لا يحق لأحدٍ منا أن يُكره أحدا على فكرة ما، وإن أسوأ أنواع الاستعباد هي استعباد الأفكار!! القناعات!!

لنرَ كيف يقص القرآن علينا سيمة فرعون هذه:

(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [سورة اﻷعراف 123]

آمنتم به!!! يحاسبهم على القناعات والعقيدة والدين ويطلب استئذانهم منه؟؟!!

إن الله تعالى في عليائه ترك لنا حرية الفكر إذ قال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [سورة البقرة 256]

ونوح عليه السلام يخاطب قومه فيسألهم: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُون؟؟

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُون) [سورة هود 28]

ولا يحق لكائنٍ من كان أن يجبر أحداً على اعتناق دينٍ أو إسلام، ولكن هذا الفرعون عجيب وضعه إذ يأمر بالاستئذان على اعتناق الفكر والدين!

حتى نسمع التعجب البريء من السحرة يجيبونه قائلين:

(وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا !!! رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) [سورة اﻷعراف 126]

نعم، يروي تاريخنا ظلما كهذا... مثل قصة سجون وتعذيب من لم يقل بخلق القرآن، وربما مثل تكفير كل من خالف رأيا من آرائنا وتنصيب أنفسنا عليه بالحكم بدينه! لكن الدين قد أعلن منذ القدم أنه دين يكفل حرية الاعتقاد (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ويُحارب لأجل هذه الفكرة، فكرة أن يكفل للمجتمع أن يُسلم أو لا يُسلم بحريته دون أن يحول أحدٌ بينه وبين إسلامه أو يُقاتَل أحدٌ دون حرية إسلامه.

فريق عالم الأكاذيب
اقرأ المزيد »

الأحد، 6 نوفمبر 2016

القرآن والمنطق

0
🍎 القرآن معك ما دمت على الحق، دون النظر إلى خلفيتك 🍎


هل جربتِ أن تكوني فتاة مهمشة وذنبك الوحيد أنك فتاة في أسرة تفضل الأولاد؟؟

هل جربتَ أن تكون عبدا مسلوب الحرية وذنبك الوحيد أنك أسود اللون؟؟

هل ظُلمت وأُخذ حقك وذنبك الوحيد أنك فقير أو غريب غير مجنس أو لا واسطة لديك؟؟

هل جربت أن تكون قرويا وتذهب للمدينة فيهزأ أهلها بكلامك -رغم أنك لم تقل إلا المعنى الطيب- ولكن ذنبك اختلاف اللهجة وتخلفها بحسب ادعائهم؟؟

هل جربت أن لا يأخذ القانون حقك لاختلاف ديانتك؟؟

أو تخيل أن تناقش أحدا فيحتقرك لأجل شكليات لم تخترها مثل بلدك؟؟

من المحزن أن أغلبنا جرب بعض ما سبق.

لكن مع القرآن شيء آخر وعالم آخر، مع القرآن تدرك كم هو يحمل فكرا راقيا متجردا من العصبيات التافهة، إنه لا يعاملك ولا يناقشك بناء على شكلك ولونك وعرقك وجنسك..الخ!!

الدين يضع عم الرسول -ذا النسب- في كفة وبلال العبد الأسود الحبشي في كفة فترجح كفة العبد ببساطة!! إنه دين لا يقيم اعتبارا لك بنسبك ولونك!! بل بعملك: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[سورة التوبة 105]

تعالوا نبحر في الآيات!

القرآن لا يحتقرك لجنسك ذكرا أو أنثى أو من أي شعب أنت وقبيلة فالأفضلية عند ربك تحققها بيديك وجهدك وليس بشيء خارج إرادتك "أن تتقيه سبحانه": (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [سورة الحجرات 13]

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة الحجرات 11]

القرآن ينظر إلى لون بشرتك السوداء أو البيضاء وكذلك إلى لهجتك على أنهم آية من آياته: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) [سورة الروم 22]

القرآن ينظر إلى قضية الجنس "أنثى أو ذكر" على أنها آية أيضا خلقها للسكن والمودة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة الروم 21] (أيضاً الآيات [النجم 45] [الليل 3])

ويعوّل على عملك لا على ذكورتك وأنوثتك: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) [آل عمران 195]
نحن في الدنيا للآن في هذا العصر أجور النساء العاملة أقل، عند الله الأجر على قدر العمل والإخلاص ولا علاقة له بذكورة وأنوثة.

وأيضاً: [النساء 124] [النحل 97] [غافر 40]

ومن الأدلة أن الله يعاملك بالحق والعدل بموضوعية وليس بحسب مكانتك أنه عاتب حتى رسوله الكريم في كثير من المواقف، ولم يقل هذا رسول لا نعاتبه!! الملوك عند الله والعبيد سواء! نعم حتى الرسول صلى الله عليه وسلم عوتب. وذلك في آيات عديدة نذكر منها عتاب الله له أن تلهى عن أعمى فقير لأجل أنه كان مشغولا بنفر من كبار قريش. [سورة عبس 1 - 10] والقرآن يعاتبه ويقول أنت تتلهى يا محمد عن الأعمى وهو قد جاء إليك ((يسعى)) لكم يُقدر القرآن سعيك وبحثك عن دين الحق!

أتساءل: كم شعر الأعمى آنذاك بعظمة الدين والله يُنزل الآيات في عتاب الرسول لأجله وهو فقير ضعيف؟؟

بل ومن الأدلة أيضاً أن كبار قريش يريدون أن يؤمنوا ولكن بشرط أن لا يجلسوا مع الفقراء بحجة أنهم يستحون أن تراهم العرب يجلسون مع مثل هؤلاء! فتتنزل الآيات من السماوات تأبى وتنكر أن يستجيب لهم رسول الله!!!! (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [سورة اﻷنعام 52]

(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [سورة الكهف 28]

والآيات التي تحمل هذا المعنى عديدة، منها: [هود 27] [الشعراء 111 - 114] [هود 27 - 30]

دعني أزيدك يا صاحبي..

تنقل كتب التفسير حادثة أن مسلما سرق واتهم يهوديا بذلك، ومال المسلمون للدفاع عن المسلم السارق وإثبات التهمة على اليهودي البريء، فنزلت الآيات:

(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) [سورة النساء 105 - 107]

يقول سيد قطب: (إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام –وإن كانت تبرئة بريء أمرا هائلا ثقيل الوزن في ميزان الله– إنما كانت أكبر من ذلك كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال.)

وهذا المعنى ورد أيضاً في آيات أخر: (المائدة 8 ) (الجاثية ١٨) (الشورى 15)

الرسالة: القرآن في عدله لا يحابي أحدا.. لو ركن رسول الله إلى الكافرين لأذاقه الله العذاب: [اﻹسراء 74 - 75] لو لم يعدل المسلمون يعاتبهم وينصف المظلوم ولو كان كافرا.. لو أتت زوج النبي بفاحشة يعذبها [الأحزاب 30-31] فهو مع الحق دائما بغض النظر عن خلفية صاحبه.

البشر مهما حاولوا الحيادية فإنهم لا بد وأن يميلوا لجنس أو عرق أو عشيرة، شعوريا أو لا شعوريا، لكن حين نقرأ القرآن نرى بأنه لا يقف في صف أحد، لأنه كلام رب كل البشر.


🌹"الشخصنة" ورؤية القرآن لها 🌹

من المغالطات التي يقع فيها المجادلون مغالطة الشخصنة، وتعني التهجم على الشخص قائل الحجة بدل الحجة نفسها.
وذلك من خلال تجاهل البرهان بحجة أن القائل مجنون مثلا أو فقير أو لا يفهم... الخ

أو مثلا خلال النقاش يقول لك الشخص المتهجم: "من أنت كي تبدي رأيك في هذا الأمر؟ أنت لا تجيد سرد جملة واحدة من غير تلعثم... تعلم الكلام أولاً!.... أنت لا يوجد معك شهادة أصلا فكيف تتحدث بهذا الأمر؟"

ويدخل بنقاش حول الشخص ذاته. بدلاً من مناقشة الحجة ذاتها وهذا خطأ!!

والقرآن بمنطقيته يلفت انتباهنا إلى هذه القضية ويجعلنا نتمحور حول الحق بلا شخصنة، تأملوا هذه الآية التي ينتقد الله فيها الكفار لشخصنتهم: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [سورة التغابن 6]

وتنص الآية على أن هؤلاء الكفار "كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" بالبينات والحجج والبراهين الواضحات الجليات المرشدات للحق!

ولكن لم يناقشوا الْبَيِّنَاتِ ذاتها ولم يتأملوها، بل شخصنوا الحوار فقالوا:
أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟؟؟؟

والنتيجة المحزنة: فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا!!! وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.

إن النظر إلى الأشخاص عوِض المبدأ الذي ينادون به، آفة من آفات البشر عموما، ومن آفات المستكبرين خصوصا. وقد تسبب هذا المنطق بهلاك الأقوام السابقة. تأملوا:

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [سورة اﻷعراف 75 - 76]

إن الذين استكبروا كفروا لا من أجل رفضهم لمحتوى ما آمن الناس به!! بل قد يكونون تجاهلوا المحتوى تماما، نحن لن نؤمن بما آمنتم به أيها المستضعفون الحقراء، فلا يجمعنا وإياكم إيمان واحد بغض النظر عن صحة أو خطأ ما آمنتم به!!

والآيات رائعة في الباب وأود سردها ولكن طلبا للاختصار نشير إلى بعضها بأرقامها من غير شرح والتي هي جميعها تؤكد على معنى ذم الكفار حين شخصنوا الرسالة واتهموا النبي بالضعف أو الجنون أو الفقر..إلخ: 
[الزخرف52] [هود91] [هود27] [المؤمنون23 - 25] [سورة المؤمنون 33 - 34] [سورة المؤمنون 66 - 74] [البقرة90] [البقرة 247] [سورة اﻷنبياء 36] [سورة الفرقان 41]

وبالمبرّر نفسه وبالطريقة نفسها كَفَر البعض بالنبي صلّى الله عليه وسلم، لا لسبب بُطلان ما جاء به، أو حتّى كذبه وسوء سيرته، بل لمجرد عدم انتمائه لقبيلتهم أو عرقهم.. وبهذا ضاع منهم الحق الذي يزعمون البحث عنه. وما فِعْل بني إسرائيل مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا تجسيدا واضحا لهذه العقلية [البقرة 90] فقد طالبوا أن يأتيهم الحق من خلال شخص بمواصفاتهم، وقالوا كيف يكون نبيّ آخر الزمان من غير قوم بني إسرائيل؟! بعد أن عرفوه جيدا:  {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)} البقرة.

بل وقد كانوا يبشّرون به أهل الجزيرة من المشركين لكنهم كفروا بنبوّته بسبب عدم "قبول" شخصه [راجع سورة البقرة 89].

فمتى نتجرد من أهوائنا ونتحلق حول القضية بلا شخصنة ونظر لحسب فلان ومنصبه ونسبه! أو غناه وفقره! متى نجتمع تحت ظل حق يجمعنا بغض النظر عن أشخاصنا؟؟

القضية يا قوم ليست قضية أشخاص بل قضيّة مبادئ وحقّ يعلو ولا يُعلى عليه، فالأشخاص يفنون والمبادئ باقية ما بقي الدهْر...

كتبه:
هناء/ حسن خالدي/ أحمد قاسم/ فاطمة.


🍒 يكره القرآن التعصب والاتباع الأعمى للآباء أو السادة.. إلخ🍒

يكره القرآن الجمود ويحاربه بقوة، يكره التقليد وعلى وجه الخصوص تقليد الآباء والأجداد، فليس بالضرورة أن يكون الصواب موافقًا لما قالوا، ويقول لك يجب أن لا تتقبل أفكار واستنتاجات الآخرين كآبائك ورؤسائك وغيرهم من شخصيات مؤثرة، بل عليك أن تُفكر لنفسكَ وتستنتج بنفسك فإن خالف رأيهم الصواب عدلت عنه:

قال مثلا عن اتباع الآباء: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود ١٠٩)

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) البقرة 170


وغير ذلك من الآيات كثير، نذكر: (لقمان:21) (المائدة104) (الأعراف 28) (يونس 78) (الأنبياء53) (الشعراء 47) (الزخرف٢2-23)

إذن لا تقل يا بني لا تخالف عادات آبائك وأجدادك! بل علمه أن لا يخالف ما أنزل الله من الحق. لا تتمسك بالعادات والتقاليد لأنها مألوفة فحسب! تمسك بشرع الله.

القرآن يحررك من عمى التعصب للموروث.

أما عن اتباع الرؤساء أو ما شابه فقد قال الله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة 166 - 167]

وفي النار: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) [اﻷعراف 38 - 39]

اعبد الله ولا تتبع الأشخاص ولا المذاهب ولا الطوائف بعمى.. بل اتبع البرهان والنور الذي سيرشدك لاتباع الرسل والرسالة.. ويوم القيامة ليس لك أن تحتج بقولك: يا رب الذنب ذنب فلان كان ضالا واتبعته!! الله لم يقل لك أجر عقلك واتبع غيرك وكن أعمى!!! سيتبرأ منك يوم القيامة من اتبعتهم.

آيات تصب في ذات المعنى: (المائدة٧٧) (الأعراف٣) (ابراهيم٢١) (سبأ٣١-٣٣) (غافر٤٧-٤٨)



🌿 مصداقية القرآن.. وإنصافه للعدو والصديق 🌿
 
قرآننا صادق منصف.. يرصد عين الحقيقة:

قال تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة آل عمران 110]

القرآن منصف وصادق حتى بشأن أعدائه، لم ينسَ القليل المؤمن رغم الكثير الفاسق، بل قال: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.

مع أن الآيات تحدثت بعدها عن ضلال أهل الكتاب ونعتتهم بالكفر وذمتهم بقتل الأنبياء والعصيان:

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [سورة آل عمران 112]


ومع كل هذا ينصفهم الله قائلاً :
(لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) [سورة آل عمران 113]

وبآيةٍ أخرى نرى ذات الإنصاف:

(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ) [سورة آل عمران 75]

وحتى مع كل الكره لليهود، نجد القرآن يقول عنهم بوجه الخصوص:
(وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف 168)

في الحقيقة من الناحية العملية الواقعية القرآن لا يستفيد إطلاقا من عرض محاسن المعترضين على الرسالة الإسلامية، بل إن كل مصلحته تكمن في انتقاصهم واحتقارهم وتبيين مساوئهم ونقدهم، وهو حال البشر عموماً؛ التقليل من خصمومهم واحتقارههم. لكن القرآن منصف؛ يذكر الحقيقة كما هي، فإن كانت هناك محاسن ذكرها دون بأس! لاحظوا هنا كيف تحدث عن قصة سحرة فرعون:

(قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) [سورة اﻷعراف 116]

تخيل أن أحد المنتصرين جاء ليروي قصة انتصاره فإن المتوقع أن يأتي معتزا بنفسه مستعظما عمله ومستصغرا خصمه ومستحقره، وهذه عادة المنتصرين.

لكن القرآن منصف ويروي القصة بمصداقية عالية لدرجة أنه يصف بوضوح وصراحة أن الخصم جاء بسحر عظيم وكان مبهرا فقد سحر أعين الناس.

وحتى حين ذكر الخمر الذي حرمه علينا ذكر حسناته وأن فيه منافع: 

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [سورة البقرة 219]

وهكذا يُعلم القرآن الإنسان أن يكون صادقًا عادلًا، يضع الحقائق في محلها دون تحريف أو تزييف...

الرسالة: لا تجعل كرهك لشخص أو شيء ما سببًا في إنكار حسناته في غمرة بغضائك!


💦 القرآن والتعميم 💦

من يتأمل القرآن يجده دقيقا في أوصافه، فلا يعمم على الكل ويغفل عن البعض وإن كانوا قلة، بل من تحريه للدقه نجد فيه عادة تعابير تنفي التعميم مثل: (أكثر..) (إلا من..) (إلا الذين..)

﴿وَلَقَد أَنزَلنا إِلَيكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكفُرُ بِها إِلَّا الفاسِقونَ۝أَوَكُلَّما عاهَدوا عَهدًا نَبَذَهُ فَريقٌ مِنهُم بَل أَكثَرُهُم لا يُؤمِنونَ﴾ [البقرة: ٩٩-١٠٠]

لم يقل: بَل لا يُؤمِنونَ.. إنما قال: بَل أَكثَرُهُم لا يُؤمِنونَ. 

ولم يعمم القرآن على أهل الكتاب بحكم ما:

(لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) [سورة آل عمران 113]

وبآيةٍ أخرى نرى نبذه للتعميم فيهم:

(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ) [سورة آل عمران 75]

وفي عدم التعميم عدل ورحمة ونظر حتى لما خفي من حال القلب:

﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعدِ إيمانِهِ إِلّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإيمانِ وَلكِن مَن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]

وعدم التعميم يفتح باب التوبة ويستثني أولئك الذين لم يستمروا على ما كانوا عليه:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا۝إِلّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدخُلونَ الجَنَّةَ وَلا يُظلَمونَ شَيئًا۝جَنّاتِ عَدنٍ الَّتي وَعَدَ الرَّحمنُ عِبادَهُ بِالغَيبِ إِنَّهُ كانَ وَعدُهُ مَأتِيًّا﴾[مريم: ٥٩-٦١]

وعدم التعميم شرط أساسي في الدقة وصدق العبارة:

﴿إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوينَ﴾ [الحجر: ٤٢]

وفي عهد رسول الله كان الأعراب (سكان البادية) أقسى وأغلظ نفسا وأشد كفرا من سكان الحضر، فوصفهم الله بذلك، ولكنه لم يعمم، بل عاد وقال أن منهم من يؤمن وسيرحمه الله [التوبة: ٩٧- ٩٩]

وهنا لم يبتعد القرآن عن التعميم وحسب بل قرر أن المُستَثنَى له فضل تم ذكره في الآية:

﴿لا خَيرَ في كَثيرٍ مِن نَجواهُم إِلّا مَن أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعروفٍ أَو إِصلاحٍ بَينَ النّاسِ وَمَن يَفعَل ذلِكَ ابتِغاءَ مَرضاتِ اللَّهِ فَسَوفَ نُؤتيهِ أَجرًا عَظيمًا﴾[النساء: ١١٤]

يغفل "كثير من" الناس عن هذا المعنى، ونجدهم في أحاديثهم مثلا يذمون شعوبا ما ويطلقون أحكاما مطلقة عليها بتعميم غريب!! أو يصفون بالسوء "كل" أعمال شخص ما.. إلخ.. ولو نهجوا نهج القرآن لكان خيراً لهم، ليتهم قالوا: (أكثر..) (إلا من..) (إلا الذين..)

كتبه: أحمد قاسم/ فاطمة.


🌟 القرآن لا يؤاخذك بذنب غيرك 🌟

سمعت من أحدهم قصة لقيط، قصة رواها "علاء الطيبي" كان يتحدث عن حال مراكز الأيتام والأطفال اللقطاء، وكان الأطفال اللقطاء عندما يكبرون يواجهون نبذ واحتقار المجتمع وبغضه، مع أن الذنب ذنب أبويهم، وذكر علاء قصة عن صديقه اللقيط الذي كان شخصا قمة في الرقي والأدب وأراد التعفف وطرق باب الحلال والزواج، ويروي علاء أنهم ذهبوا مع صديقهم لخطبة فتاة له، فاستقبلهم أهلها أحسن استقبال وأطيبه، ثم لما عرفوا أنهم من دور الأيتام وأن الشاب لقيط انقلبت الحفاوة إجراما وأوصدت عليهم الأبواب وهجموا عليهم ضربا من كل طرف وبلا رحمة ثم طردوهم!! وذكر علاء القصة وهو بقمة الحزن والتأثر ثم ما آل إليه أمر صديقهم بعدها... وذكر قصص العديد ممن تشردوا وطرقوا باب الحرام وكانوا ضحية جهل المجتمع وتحميلهم ذنبا لم يفعلوه بل هو ذنب أبويهم!!

(القصة سمعتها من علاء الطيبي الملقب بـ"سفير الأيتام" عبر إذاعة حياة FM الأردنية والذي عاش في دور الأيتام ونقل حال أطفالها وتشردهم)

لما سمعت القصة بحزنها وألمها قلت: أفلم يتدبروا قول الله: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ)[سورة النجم 38 - 42]

(وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[سورة الصافات 39]


من جمالية القرآن ومنطقيته أنه يعامل كل شخص على حدة من غير أن يحمله ذنب أبيه أو قبيلته أو أو.. ويقرر قاعدة أصيلة رائعة وهي: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" لن تحمل إثم غيرك ولن يحمل إثمك عنك أحد.. (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [سورة المدثر 38]

(وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [سورة اﻷنعام 164]

(مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) [اﻹسراء 15]

أيضاً الآيات: [سورة فاطر 18] [سورة الزمر 7]

الإنسان في القرآن لا يؤاخذ بذنب لم يقترفه (لم يكتسبه)، فحين كان يقتل العرب بناتهم قال لهم الله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [سورة التكوير 8 - 9]

وقاعدة: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" يتجلى جمالها حين ننزل لأرض الواقع في التعاملات والمظالم -كما في قصة اللقطاء أعلاه- وأيضا على سبيل المثال: قبائل العرب كانت -ولا تزال عند بعضها- إذا قُتلت منها نفس ينتقمون بقتل أي شخص من عشيرة القاتل!!! تخيل لو تم قتل ابنك مثلا لأن ابن عمه اعتدى على شخص من غير قبيلتكم وقتله؟؟ فانتقموا بقتل ابنك لكونه من ذات القبيلة فحسب!!! ولكن مع القرآن فقد حرم قتل نفس بريئة، انظر: [سورة اﻹسراء 33] [سورة المائدة 45] [سورة البقرة 178][سورة اﻷنعام 151]

وأيضاً بعض الديانات تعتقد أن هبوطنا إلى الأرض كان عقابا للبشرية بذنب آدم وحواء!!! أتخيل بؤس شعورهم مع الاعتقاد الدائم أنهم يعيشون بشعور الذنب الذي لم يفعلوه!! لكن في القرآن الله تاب عليهما ومجيئنا مقرر له من قبل أن يخلق آدم وحواء: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) [سورة البقرة 30] راجع القصة (البقرة 30-39)

وكذلك البعض يعتقد أن النساء يعذبن بالحمل والولادة بذنب حواء!!! وهذا بفضل الله غير موجود البتة في ديننا، بل لأنها تتعب يأمر الإسلام بتكريم الأم أيما تكريم.

هذا عدا عن ما يعتقده البعض عن قتل المسيح وأنه قتل لأجل خطايانا وأن موته سبب لقبولنا ودخولنا الجنة!!!

وهذا الاعتقاد ينافي ما جاء في القرآن والحمد لله، بل (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)

وحتى حين يبعثنا الله للحساب نبعث فرادى: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [أي: لا أولاد، ولا مال، ولا أنصار، ليس معه إلا عمله، فيجازيه الله ويوفيه حسابه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}] السعدي.

الخلاصة: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"

وبالنهاية لا أنسى أن أحذرك من كذبة يستهويها الناس وهي: افعل كذا وضعها برقبتي!!! وهم في وهم ولن يتحمل عنك ذنبك سواك: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[سورة العنكبوت 12]

__
*ملاحظة: يوجد حالة تحمل فيها إثما بذنب غيرك وهي إن أضللته عن الحق (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) [سورة النحل 25]




🌸 القرآن منصف، وينهى عن اتباع الهوى والشهوات 🌸
لكي يكون المرء محايدًا عليه أن يتخلص من أي مشاعر قوية كأهوائه وعواطفه التي تعميه عن الرؤية ببصيرة، لذا ينهى القرآن عن اتباع الهوى، سواء كان الهوى في اتباع الأفكار والحقائق والاعتقادات، أو في إقامة العدل بين الناس:

(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية ١٨)

وقال أيضاً: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [سورة ص 26]

وينهانا أيضا عن أن لا نعدل إذا لم يوافق العدل هوانا وكنا نبغض الخصم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة 8)

ويأمرنا أن نعدل ونؤدي شهادة الحق حتى لو كنا سنشهد على أنفسنا وأحبتنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)[سورة النساء 135]

أي لا تجعلوا مشاعركم كالبغض تؤثر على حكمكم على الأشياء والناس! وهذا هو الإنصاف المطلوب من المسلم أن يعترف بالحقيقة وأن يقف في صفها وإن كان القائل بها هو ألد الخصوم والأعداء!

وتأملوا هذه الآية: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِير) (الشورى 15)

ربما القرآن هو أول منهج يحكم في الأرض في تلك الحقبة يأمر بالعدل مع الأعداء، ففي تاريخ البشرية الفئة التي تنتصر تسطر في التاريخ أشنع وأقبح صور الإجرام البشري! والآن نسمع دعاوى حقوق الإنسان ولكن ما إن ننزل أرض الواقع حتى نكتشف أنها ليست سوى أساطير تقال، فنرى شناعة أفاعيل الدول المستعلية في الأرض!






💐 القرآن.. والاحتكام إلى الأكثرية 💐

من المغالطات المنطقية المنتشرة بين الناس مغالطة التحاكم إلى الكثرة (أو ما يسمونها مغالطة الاحتكام للشعبية)، وهي مغالطة تنتقد عادة لدى الناس وهي أن يشعروا بمزيد من المصداقية للمعلومة إذا سمعوها من أكثر من شخص ويشعرون أنها ولا بد أكيدة ويثقون بها دون نظر.

نسمع مثلا:

- لم فعلت هذا؟؟ ألم أقل لك أنه خطأ؟؟
- كل الناس تفعل ذلك لست وحدي.
- لم نقلت هذا الحديث؟ إنه حديث موضوع (مكذوب على الرسول -عليه السلام-)
- لكني سمعته كثيرا جدا لا يعقل أن يكون مكذوبا!!

لكن القرآن كتاب منطقي ولا يحتكم إلى العدد في إقرار الحق، بل على الدليل السليم، حتى وإن قال أهل الأرض جميعا بخلاف الدليل. انظروا إلى قول الله:

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [سورة اﻷنعام 116]

حتى وإن كان أكثر من في الأرض يقولون لك امش أعوجا فلا تطع الكثرة بل اتبع الحق، فالكثرة ليست دليلاً: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)[سورة يوسف 103]

وأيضاً نقل القرآن مغالطة قوم ثمود حين جاءهم نبيهم بالبينات، ولكنهم استنكروا أن يكون الحق مع بشر واحد فقط وهم كثر، وكان هذا عائقا عن اتباعهم للحق: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) [سورة القمر 24 - 25]

أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ؟؟؟ هو وحده على حق من بيننا ونحن كثر؟؟

إذن: اتبع سبيل الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وسبل الضلال ولا تغتر بكثرة الهالكين. 




🌻 منطقية القرآن وتحرره من التعصب الأعمى للنفس 🌻

تعالوا نستكشف هذا من خلال هذه الآية البديعة:

(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [سورة الزخرف 81]


للآية أكثر من تفسير وارد ننقل منه:

قال السدي: (لو كان له ولد كنت أول من عبده، بأن له ولدا، لكن لا ولد له)

عجيب! مع أن قضية أن الله له ولد في الإسلام تعد قولا مهولا وشنيعا!

ومع كل هذا التشنيع: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)

كأن بالآية افتراض أن قولهم يصح وأن الله له ولد (حاشاه) والله يقول لرسوله: قل لهم يا محمد، إن صح كلامكم بأن الله له ولد فأنا سأتبعه اتباعاً للحق..

كأن به يقول: وجهات النظر والعقائد التي تدعونها أنا مستعد للتنازل عن معتقداتي لأجلها لو صحت ومستعد لأدرسها، لكنها لا تصح!!!
أنا لا أدافع عن الرأي الذي أتبناه لأني أتبناه!! بل لأنه الحق، ولو وجدت الدليل والبرهان مع الرأي الذي تتبناه أنت لتركتُ رأيي بلا تعصب وتبنيتُ رأيك.

ولا أرفض الباطل لأنه ليس رأينا ولأجل التعصب الأعمى لمعتقداتنا، بل لأن الباطل هو باطل! لا تعصب أبله لأنفسنا بل اتباع الحق..

الرسالة: ماذا لو كان اتباع الحقيقة يجعلك مضطرا للتنازل عن معتقدات تربيت عليها وتشربتها؟؟ ماذا لو جعلك تجد نفسك خاسرا في النقاش لأنك اكتشفت أن الدليل ليس معك؟؟ هل ستعاند أم تتمسك بالبرهان كما يعلمنا كتابنا القرآن؟؟ 


🐚جولة في استعراض سورة الشعراء لجدالات أعداء الرسالة مع رسلهم وإظهارها لمغالطاتهم المنطقية 🐚

عرضت سورة الشعراء نماذج من المعاندين للحق المجادلين له وعرضت الحوارات بين الرسل وأقوامهم.
وفي الجدال عادة ما يلجأ كل طرف لإقناع الطرف الآخر بحجته، لكن الإنسان مجادل (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) فيذهب في جداله بعيدا عن الحجه ويقع في مغالطات منطقية، كأن يقول مثلاً: (رأيك سفيه وهو بخلاف ما تربينا عليه)

وهذه ليست حجة منطقية!! فأن نتربى على الشيء ليس معيار صحة المعلومة و خطئها! أو مثلا أن يبدأ المجادل بتسفيه من أمامه بدلا من مناقشة الحجة! وهذه مغالطة أيضاً، الجدال يجب أن يكون بالحجة فقط لا بتسفيه الشخص أو ما سوى ذلك من المغالطات التي يقع فيها الشخص عنادا وإثباتا لرأيه.

من يتأمل استعراض القرآن لنقاشات الرسل مع أقوامهم ومنطقية رد الرسل يستشعر أن القرآن يريد أن يعرضها علينا ليعلمنا المنطق في تلقي الحجة وعدم مجابهتها بالمغالطات، والآن سنمر سريعا بجولة سريعة بسورة الشعراء لإلقاء الضوء على بعض المغالطات التي استخدمها هؤلاء المعاندون خلال جدالهم مع رسلهم:

1- مغالطة ما يسمى بـ "الرنجة الحمراء" أو تجاهل المطلوب: وتعني الخروج من الموضوع حين نعجز عن الإجابة عليه والتحجج بموضوع آخر لنشتت النقاش ونظهر بمظهر المنتصر مع تجاهل أصل الموضوع، في ذلك أجاب فرعون:

(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[سورة الشعراء 16 - 19]

ما علاقة صحة رسالة موسى بأن فرعون رباه وليدا؟؟؟ لماذا تهرب من صلب النقاش؟؟

2- مغالطة الشخصنة: تسفيه الشخص ذاته ومناقشة شخصه بدلا من نقاش الحجة ذاتها، قال فرعون :
(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)[سورة الشعراء 27]

الاحتجاج بمناقشة الشخص/الأشخاص ذاتهم بدل الحجة:
(قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا..)[سورة الشعراء 153 - 154]
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)[سورة الشعراء 111]

3- مغالطة الاحتكام إلى سلطة القديم واتباع الآباء:
أجاب بها قوم ابراهيم لما سألهم ابراهيم عليه السلام عن الأصنام (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون؟َ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)[سورة الشعراء 72 - 74]
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ)[سورة الشعراء 136]

لا يوجد حجة مقنعة، اتباع للأولين بعمى وتقديس للموروث بلا مبرر!

4- الاحتكام إلى سلطة المنصب والطبقية الاجتماعية:
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)[سورة الشعراء 111]
( مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا..)

5- تحجر الدماغ وعدم تفهمه لحجة الطرف المقابل ورفضه للتفكير بها :
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ)[سورة الشعراء 136]
وهذه مشكلة عقيمة فالإنسان يجب أن يمتلك عقلا مفتوحا، ويدرس رأي غيره ثم يقبله أو يرفضه، ولولا أن أصحاب رسول الله كانت عقولهم مفتوحة لما تقبلوا الجديد الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم.

6- اللجوء إلى التهديد حين تفشل مواجهة الحجة بالحجة، حينها يلجؤون لإسكات الشخص بالقوة:

(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)[سورة الشعراء 29]
ياله من رد مقنع!!!

(قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)[سورة الشعراء 167]

(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)[سورة الشعراء 47 - 49]

من الملاحظ بالسورة أن الأنبياء عليهم أفضل الصلوات والسلام لم تكن أجوبتهم بهذا السقط والمغالطات، بل منطقية لا تحوي أية شخصنة أو مغالطات، مع أن الأنبياء بشر لكن من يملك الحجة لا يلجأ لمغالطات الجدل الفارغ.

الفائدة التي عليك أن تطبقها:
لا تجادل إلا بالحجة والبرهان.

*ملاحظة: هناك بالسورة غير ذلك من الآيات ولم يتعرض هذا المقال لكل مغالطات المجادلين التي حوتها السورة.


💭 كثير من الضحك وقليل من المنطق 💭

من المغالطات المنطقية التي يقع بها المتجادلون هي الاستهزاء والاستخفاف بقيمة الحجة دون تقديم إجابة راشدة، وقد يكون الاستهزاء بالشخص القائل أحياناً، وقد يكون الاستهزاء بالكلام ذاته، المهم أنهم يتهربون من مواجهة الحجة بالحجة!
وبما أن القرآن كتاب منطقي فنجده يعرض هذه الفعلة مستنكرا إياها في مواضع كثيرا، قال تعالى:
(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)[سورة المائدة 58]
والتعقيب على فعلهم: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ. يشعر القارئ أن الاستهزاء الساذج ليس من العقل في شيء!!

(ذَٰلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)[سورة الجاثية 35]

آيات معاونة لا نذكرها اختصارا: [سورة اﻷنبياء 36] [سورة الجاثية 8 - 9]

كما رأيتم في الآيات السابقة استهزاءهم فالحال لم يتغير هذه الأيام، فالكثير من الشبهات التي يتقولها الملحدون على الدين لا تُعرض عرضا حقيقيا لشبهة منطقية فعلا وعميقة وعقلانية، إنما يعتمد متبنوها في عرضهم لها على استعراض وجهات النظر الدينية بطريقة تهريجية تجعلها تظهر وكأنه دين ساذج سخيف، وإن كنتَ لا تعرف الدين وأهله فسيهيأ لك أن من يعتنقون الإسلام سيصبحون من فورهم كائنات بدائية لا تكاد تفقه قولا! وإنك ما إن تدخل صفحة إلحادية حتى تشمئز نفسك من كثرة الرسومات الساخرة والقبيحة، ولو دخلت إلى التعليقات والردود فستجد أيضا كثيرا من الإجابات الساخرة خلال النقاشات بطريقة ساذجة!!
(وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)[سورة الفرقان 41]

كمؤمنة لا أومن على سبيل المثال بأزلية المادة ولكني وإن كنت أراها انحطاطا عقليا فلا أجد في نفسي ضرورة لإثبات ذلك من خلال شتم من يؤمن بها والسخرية به والتقهقه صبح مساء ورسمه برسوم ساذجة كما يفعلون! فعجبا لهم!
(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الحجر 11

وأسلوب الاستهزاء ليس مذموما دوما وقد يُستخدم -أحيانا- في الرد، ولكن الخساسة والانحطاط الفكري أن يكون الاستهزاء هو المعول والبديل عن العقل والمنطق وعن الإنصاف! وأن يحمل في طياته تلفيق الحقائق ويتكئ بشدة على التزوير والتشويه للدين، ويقع دوما بـ"مغالطة رجل القش" ولما كان هذا شأن أغلب استهزائهم حكمنا عليه أنه مما لا يُسمع له.

وبالطبع ما خلا من المنطق وامتلأ بالاستهزاء فينبغي أن لا نستمع إليه البتة: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)[سورة النساء 140]


🐑 القرآن.. هل يقول لك: كن مع القطيع؟؟ 🐑

قال لي أحدهم مرّة بأن التدين يعتمد على العقل الجماعي وأن المتدين لا يستطيع أن ينسلخ عن جماعته ويفكر بمنطقية بعيدًا عن تلك المؤثرات القطيعية... ولو قرأ القرآن لعرف أن القرآن يعلم بأن الإنسان بطبيعته يتأثر ببيئته وبجماعته، وأن هناك ما يُسمى بـ "العقل الجمعي"، بل ويطالب الباحث عن الحقيقة بأن يتجرد من هذا التأثير، فينفصل عن الجماعة تارة ويُفكر وهو منفصل عنهم "فُرَادَىٰ" ويفكر معهم تارة "مَثْنَىٰ" تأملوا الآية:
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) سبأ 46

وفي مقام الدعوة عندما دعى نوح عليه السلام عندما قومه إلى دين الله جرب أن يدعوهم جماعة "أَعْلَنْتُ لَهُم" وجرب أن يدعوهم فرادى "وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا" (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) نوح 9]

والله يقص علينا قصة يوضح من خلالها مدى تأثير الجماعة وهي قصة الملكة الفطنة ملكة سبأ، انظروا ما يقول الله: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل 43 - 44

وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ
إنها ذكية فطنة وغريب أن تعبد من دون الله! ولكن: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ.. إنه تأثير القوم والجماعة هو من صدها عن الحق. ولما خرجت من عند قومها وذهبت لسليمان وزال عنها التأثير الجمعي أبصرت و: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

ومن المهم أن نوضح أن مقام الدعوة والبحث عن الحقيقة، يختلف عن مقام الثبات على الحقيقة.
فكما ترون في الآيات سالفة الذكر أنك عندما تكون باحثا عن الحقيقة وتبحث عن دين الله فيجب أن تتجرد من تأثير جماعتك.
ولكن إذا ما اهتديت وعرفت الطريق المستقيم فعليك أن تتمسك بمن تراهم على الحق، لأن تأثير الجماعة له وجود حقيقي يسمى في علم النفس: المحاكاة "mirroring" وهي ظاهرة حقيقية ومعروفة، حيث يكتسب الشخص الكثير من سلوكيات المحيطين به دون شعور أو وعي منه.

ولهذا قال الله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ )[سورة الكهف 28]

وفي الحديث الشريف:
(مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير). رواه البخاري ومسلم
(المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أحمد وغيره

وأيضاً الله يأمرك أن تبتعد عن مجالس السوء حتى لا تتأثر بها سلبا ويطغى عليك تأثير الجماعة السوء: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[سورة اﻷنعام 68]

الخلاصة: في رحلتك البحثية تحرر واتبع الحق ولا تتبع القطيع.. فإن عرفت أن هذا حق فانصرف إلى أهله واصبر نفسك معهم. وإن عرفت أن هذا باطل فانصرف عن أهله ولا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.

هذا المعنى (استقلالية التفكير وعدم الاتباع) موجود في القرآن ولكن طلبا للاختصار نذكر بعض الآيات بأرقامها فحسب: [سبأ 31-33] [البقرة: 166-167] [غافر: 47-48]
هذا والله تعالى أعلم..

كتبه: شغاف بكور/ ميرفت شاهين/ زينب/ فاطمة.


🌴 القرآن والبرهان "فكريا" (1) 🌴

قضية البرهان في القرآن قضية تشعرك أنك أمام كتاب محكم علمي منطقي. فسواء على الصعيد الفكري تجده يطلب منك البرهنة على سلامة ما تفكر، أو بالصعيد العملي الحياتي يطلب منك البرهنة على سلامة الادعاءات (بحال مثلا اتهمت أحدا أو جئت بخبر جديد أو... ) في هذا الجزء سنناقش البرهنة من الجانب الفكري وفي الجزء الثاني إن شاء الله نناقش الجانب الميداني.

كثير من الناس يحاجون ويجادلون فيما ليس لهم به علم، ولكن القرآن يعترض:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) آل عمران 65 - 66

والقرآن يرفض اتباع الظن والأوهام، بل يجب أن تكون متأكدًا ومتيقنًا:

(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس ٣٦)

(وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم ٢٨)

هل هذه المعتقدات التي تؤمنون بها عليها دليل وحجة؟ أم أنها مجرد أباطيل اخترعتموها أنتم وقومكم فآمنتم بها دون سبب وجيه؟ (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) (النجم 23)

وبذات المضمون، الآية هذه تبهرني: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون 117)
ليس للإنسان أن يعتقد شيئا دون برهنة وتدليل، حتى الإيمان بإله! تدهشني هذه الآية ومثيلاتها! حتى قضية الإله التي لا شك فيها تُعامل كغيرها بالبرهان والأدلة، فمهما عظُمت الادعاءات أو حقُرت فهي سواء بوجوب إيجاد البرهان، وكأنه إن ثبت وجود برهان صحيح سليم عن المعارضة لآلهة أخرى مع الله فستصبح قضية منطقية (الآية لا تقول ذلك ولا تصرح به إنما استشعرته وأنا أقرأ نصها: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِه...)

وهكذا ينتقد القرآن اتباع الظن، وإطلاق الدعاوى الظنية التي لا تدعمها أية أدلة...

وهناك آيات عديدة في الباب وطلبا للاختصار نذكرها بأرقامها فحسب: (الجاثية 32) (اﻷنبياء 24) (النمل 64)

الرسالة: أنت مسلم؟؟ لا تعتقد وتؤمن إلا بكتاب مبين وبرهان. والبرهان يجب أن لا يكون أهواءك وتخرصاتك.




🌱 القرآن والبرهان "ميدانيا" (2) 🌱

قلنا بالجزء الأول أن القرآن كتاب يطالب بالبرهان وسواء على الصعيد الفكري فستجده يطلب منك البرهنة على سلامة ما تفكر -وقد تحدثنا عنه- أو بالصعيد العملي الحياتي يطلب منك البرهنة على سلامة الادعاءات (بحال مثلا اتهمت أحدا أو جئت بخبر جديد أو... ) -وهذا ما سنتناوله الآن- فتعالوا نستكشف الآيات:
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)اﻹسراء 36
ومعنى الآية: [ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت. إن الإنسان مسؤول عما استعمَل فيه سمعه وبصره وفؤاده] التفسير الميسر

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات 6)
لاحظوا أن القرآن يرفض تلقي الأخبار بلا تثبت وخصوصاً من شخص غير موثوق وقد يكذب وإن صدقناه فقد يؤدي ذلك لنتائج وخيمة ونضرُّ بأشخاص آخرين عن جهل منا ثم نصبح نادمين على ما فعلنا! وكم نحن بحاجة لهذه الآية في قراراتنا الإدارية أو حتى مجالسنا وأن لا نترك لآذاننا العنان تلتقط الأخبار من أي شخص ونحقد وننقم ونتصرف ونظلم عن جهل!!

وفي آية أخرى ينتقد الله المنافقين أنهم كلما سمعوا خبرا نشروه بين الناس دون أن يرجعوا إلى أهل العلم ليتأكدوا قبل نشر الأخبار الكاذبة (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء 83]
طبعا مع وسائل التواصل فللأسف كثير من المؤمنين لا يدركون هذه الآية وتصلهم أخبار كاذبة وتحذيرات كاذبة وينشرون ولا يدركون خطر هذا! مع أن هذا مخالف للقرآن!

إذن منهجية القرآن في التعامل مع الأخبار: فَتَبَيَّنُوا.
وكذلك أيضاً نلحظ ذات المنهجية في الحدود والأحكام فالقرآن يرفض أن يقيم حدا على زانٍ مثلا إلا بحال شهد أربعة أشخاص بذلك! بل ويذهب بأبعد من ذلك وهو أن يعاقب من يرمي شخصاً بالزنى إن لم يأت بالشهداء (راجع سورة النور4) وذلك كي لا يظلم المتهم بناء على ظن!
وكذلك بحال الديون يطالب بالتوثيق والكتابة والشهود كي لا ينبني أمر المال الذي بينهم على ظن ووهم ثم يختلفوا أو يكذب أحد على الآخر (راجع سورة البقرة282)

وكذلك نبي الله سليمان عليه السلام لما أتاه الهدهد بشأن مملكة سبأ لم يتصرف بتهور واندفاع، بل قبل كل شيء قال للهدهد: سَنَنْظُرُ.. (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) النمل 27

آيات في الباب تخدم المعنى: (النساء 94) (المائدة106-107)

والآن: كمسلم كتابه القرآن، ه‍ل أنت مستعد أن تتكلم وتنشر ما لا تعلم؟؟ أو أن تتكلم عن أحد بتهمة سمعتها بلا تثبت؟؟ قبل أن تفعل تذكر: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا...


اقرأ المزيد »

| مقطع مرئي |