الجمعة، 14 مارس 2025

سر استخدام القرآن لأسلوب التعنيف في حق بعض الطوائف والأشخاص

 


وعندما يتحول الخطأ إلى عقيدة ضاربة الجذور في أعماق النفس، وعندما تتحول هذه العقيدة إلى أساس متين لنظام يفرض تعاليمه على المجتمع، وعندما يكون التعرض لهذه العقيدة تعديا على النظام، وتحديا للسلطة القائمة.

عندئذ يتوسل الحق إلى بلوغ أغراضه بطرق أخرى إلى جانب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه الطرق ليست عدوانا، بل حدًا لعدوان، وكسرًا لطغيان..

فالرجل الذي شاخ وهو يدرس الخطأ ويدعو إليه، ويريد أن يستمد من شيخوخته وقارًا يدعم به الباطل، ومن علو منصبه في المجتمع هالة يحيط بها الأكاذيب -هذا الرجل لا يرى الإسلام حرجًا من تجريح مكانته وخدش منزلته، لا إهانة لشخصه، بل إهانة للضلال الذي يمثله، ويجتهد في الإبقاء عليه.

وهذا هو سر تعنيف القرآن الكريم لبعض الطوائف والأشخاص، وحملته القاسية عليهم.

"تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)"!!..

"كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)".

"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"..

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث..".

وهذه الآيات كما أنها قمع للباطل في أشخاص الكبار من ممثليه، هي كذلك تجرئ للناشئة من المؤمنين، حتى يشبوا وليس في نفوسهم إلا إجلال الحق مهما هانت منزلة أصحابه، وازدراء الضلال مهما علت مكانة ذويه.

وهذا أسلوب من التربية والتوجيه تنهجه الدعوات في كل زمان ومكان. فلا غرو إذا اتبعته رسالة القرآن، والله عز وجل أعرف بعباده وما يخاطبون به.

"وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

إن انتهاء الفكرة العارضة إلى نظام راسخ يتيح لها في الحياة العامة حقوقًا شتى، فالبرامج التي توضع للتلامذة في مدارسهم تقوم على تثقيف الطلاب بأصول هذا النظام وفروعه، وتتعهدهم وهم ناشئة غضة حتى يكبروا وهذا النظام جزء من نفوسهم وعقولهم!

والتقاليد التي تسود المجتمع وتتحكم في سلوك الأفراد تلزمهم مقاييس خاصة في فهم التقدم والتأخر، والرفعة والضعة، والاستقامة والشر، وهذه التقاليد تقوم هي الأخرى على احترام النظام السائد، وتوجيه الجمهور إلى الاستكانة إليه، بل إلى التسابق في تقديسه!!!

ولو أن رجلا من غمار الناس سرق أمة من الأمم -كما [يفعل] الملوك الذي يسرقون أقطارًا شاسعة وخلائق غفيرة- ثم استقر الأمر للسارق، لأمسى بين عشية وضحاها صاحب جاه عريض وجلالة كبرى، ولأمسى أهله أمراء ونبلاء تنحني لهم الهامات!!!

فلا عجب إذا كانت الدعوات المعارضة -لمثل هذه الأوضاع المستقرة- تقرن بين النصح والوخز، وبين الهدي والإيجاع.

وعذرها في ذلك بيّن. فالفرق كبير بين خطأ تافه، وبين خطيئة مبسوطة السلطان.

ونحن نرى القرآن الكريم يشرح الأدلة على البعث مثلا بأسلوب هادئ في سور كثيرة، بيد أن ذلك لا يمنع من تجريح مجتمع أقام كيانة على الكفران باليوم الآخر، وأشاع في نواحيه الإباحة والإلحاد.

"إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)".

على هذا النحو ينبغي أن نفهم أسلوب القرآن الكريم في العنف واللطف وخطابه المنوع لصنوف الناس.


محمد الغزالي، في موكب الدعوة، ص144-145


طالع أيضا:

هل استخدام التهديد والوعيد في الوعظ الديني مغالطة منطقية؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرًا أو اصمت: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)

| مقطع مرئي |