‏إظهار الرسائل ذات التسميات افهم دينك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات افهم دينك. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

هل الإنسان مخير أم مسير؟

0


وتحرير الكلام في هذه المسألة أنه - تعالى - بين لنا في كتابه ثلاث حقائق، وبين لنا ضلال الذين ضلوا فيها واحتجوا بواحدة على بطلان الأخرى:


(الحقيقة الأولى) أنه - تعالى - هو خالق كل شيء الذي بيده ملكوت كل شيء وبمشيئته يجري كل شيء، فلا قاهر له على شيء وهو القاهر فوق كل شيء.


(الحقيقة الثانية) أن خلقه وتدبيره إنما يجري بحسب مشيئته وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير { { قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137] وفي تفسير كثير من الآيات التي تذكر فيها المشيئة أو السنن الإلهية.


(الحقيقة الثالثة) أن من جملة سننه في خلقه وقدره في تدبير عباده أن الإنسان خلق ذا علم ومشيئة وإرادة وقدرة، فيعمل بقدرته وإرادته ما يرى بحسب ما وصل إليه علمه وشعوره أنه خير له. والآيات الناطقة بأن الإنسان يعمل وبعمله تناط سعادته وشقاوته في الدنيا والآخرة كثيرة جدا. وهو ليس في ذلك معارضا لمشيئة الله ولا مزيلا لها، بل مشيئته تابعة لمشيئة الله ومظهر من مظاهرها كما قال: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } [التكوير: 29] وقد جرت سنته بأن يشاء لنا أن نعمل عندما يترجح في علمنا أن العمل خير من تركه، وأن نترك عندما يترجح في علمنا أن الترك خير من الفعل، كما هو معلوم لكل من يعرف ما هو الإنسان.


وإننا نرى الكتاب العزيز يذكر بعض هذه الحقائق الثلاث في بعض الآيات ويسكت عن الأخرى؛ لأن المقام يقتضي ذلك - ولكل مقام مقال - ولكنه ينكر على من يجحد شيئا منها جحوده ويبين لنا خطأه وضلاله كما بين خطأ الذين قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } في موضع وبين خطأ من ينكر مشيئته - تعالى - في موضع آخر، فهو ينكر على من ينكر ما آتاه الله من المواهب والقوى، ويكفر له نعمة العلم والإرادة والقدرة لا سيما في مقام الاعتذار عن تقصيره في شكر هذه القوى باستعمالها في الخير والحق، كما ينكر من يغفل عن كونه - تعالى - هو المنعم بهذه القوى التي يجلب بها الخير عندما تبطره النعمة فينسبها لنفسه وحده وينسى ذكر ربه وشكره. وقد جمع - تعالى - بين الأمرين في بعض المواضع كقوله في سورة النساء: { { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } [النساء: 78 - 79].


وقد صرحوا بأن هذه الآيات نزلت في قوم من المسلمين آمنوا، ثم لما علموا بأنه كتب عليهم القتال ضعفوا وأنكروا وقالوا ما قالوا احتجاجا لأنفسهم واعتذارا عنها، فأجابهم - تعالى - مبينا لهم الحقيقة الأولى، وهي أن كل شيء من الله من حيث إنه الخالق للقوى والواضع للسنن والمقادير، ثم بين لهم الفرع الذي اقتضى المقام بيانه من فروع الحقيقة الثانية وهو أن الحسنة التي تصيب الإنسان هي من عند الله، بمعنى أنه خالقها وواضع السنن الطبيعية والاجتماعية التي يوصل بها إليها والخالق للقوى الكاسبة لأسبابها، فينبغي أن يذكر عندها ليشكر عليها وأن السيئة التي تصيبه من عند نفسه، بمعنى أنه الكاسب لها والمنحرف عن سنن الله وشريعته في طريق تحصيلها، فيجب أن يرجع على نفسه باللائمة ويردها إلى التوبة، كذلك الآية [(... يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران 154)] قد جمعت بين الحقيقتين. الأولى قوله - تعالى -: { إن الأمر كله لله } والثانية قوله: { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } أي لما حصل القتل الثابت في علم الله - تعالى - إلا ببروزهم من بيوتهم إلى مواضع القتال التي يصرعون فيها. وبروزهم هذا من أعمالهم الاختيارية [...] ويؤيد إثباتها لحقيقة عمل الإنسان واختياره الآية الكريمة التالية وهي:


{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان بالوسوسة [...].


[...] توليهم عن القتال لم يكن إلا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل، فإنها هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم حتى أعدتها إلى ما وقع منها، ويؤيد هذا الوجه قوله - تعالى -: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] [...]، فالآيتان واردتان في بيان سنة من سنن الله - تعالى - في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في أبدانهم وشئونهم الاجتماعية إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، وأن من أعمالهم ما لا يترتب عليه عقوبة تعد مصيبة وهو المعفو عنه، أي الذي مضت سنة الله - تعالى - بأن يعفى ويمحى أثره من النفس، فلا يترتب عليه الأعمال وهو بعض اللمم والهفو الذي لا يتكرر ولا يصير ملكة وعادة. وقد عبر عنه في الآية التي هي الأصل والقاعدة في بيان هذه السنة بقوله: { ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] ويؤيد ذلك قوله - تعالى -: { { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } [فاطر: 45] أي بجميع ما كسبوا، فإن " ما " من الكلمات التي تفيد العموم [...].


أما قوله - تعالى -: { ولقد عفا عنكم والله } فالعفو فيه غير العفو في آية الشورى، ذلك عفو عام وهذا عفو خاص، ذلك عفو يراد به أن من سنة الله في فطرة البشر أن تكون بعض هفواتهم وذنوبهم غير مفضية إلى العقوبة بالمصائب في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا العفو خاص بالمؤمنين يراد به أن ذنبهم يوم أحد الذي كان من شأنه أن يعاقب عليه في الدنيا والآخرة قد كانت عقوبته الدنيوية تربية وتمحيصا وعفا الله عن العقوبة عليه في الآخرة، ولذلك قال: { إن الله غفور حليم } لا يعجل بتحتيم العقاب. ومن آيات مغفرته لهم وحلمه بهم توفيقهم للاستفادة مما وقع منهم وإثابتهم الغم الذي دفعهم إلى التوبة حتى تمحص ما في قلوبهم واستحقوا العفو عن ذنوبهم.

 



اقرأ المزيد »

الخميس، 19 يونيو 2025

الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية وتوحيد المذاهب

0

هل أنت كمسلم تحتار بين المذاهب الفقهية المختلفة؟ بين الآراء والفتاوى؟ أيهم أتبع؟ أيهم على حق؟ لماذا كل هذا الاختلاف؟ تشعر بالحيرة والربما الضياع... إذن أنصحك بقراءة كتاب: "الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية وتوحيد المذاهب" لمحمد رشيد رضا.

يتحدث الكتاب عن نبذ التقليد، وينتقد الفكرة الشائعة بأن على الناس اتباع مذهب بعينه دون تفكير وتمحيص، وفيه دعوة للمسلم ألا يكون تابعا وأن يجتهد ويفهم ويقرأ دينه ويبحث في أدلة وحجج الفتاوى لا أن ينقاد بعمى.


أهم الأفكار التي استنتجتها من الكتاب، مع بعض الاقتباسات منه:

-المسلم العامي يجتهد في دينه ويبحث عن الدليل ولا يقلد شيخا أو مذهبا بعمى.

-باب الاجتهاد لا يمكن أن يغلق والمتأخرون يمكن أن يكون فهمهم أفضل وأرقى لأنهم يبنون على المتقدمين.

-فهم القرآن ليس متعسرا على الناس وأي شخص يتقن العربية يستطيع أن يفهم القرآن ولا نقول للناس تحتاجون لوسائط لفهم كتاب ربكم: "لو أن أكثر الناس يعجزون عن فهم الدين مما يبلغ الرسول من كتاب يكتب ويتلى، وسنة يعمل بها، لما كلفهم الله إياه." (1)

-اختلافات الآراء بين المذاهب المختلفة من الأمور الظنية وليست من أصول الدين، وعلى كل شخص أن يتبع ما ارتاح له قلبه دون تعصب، ولضمان وحدة المسلمين الأفضل اتباع مذهب الإمام حين الصلاة بدل تشتيت المسلمين والتفرق إن اختلفت المذاهب.

-أحاديث الآحاد هي أكبر سبب للاختلافات التي نراها بين المسلمين، وهي ظنية وليست ملزمة لعموم المسلمين وإن جهلوها لأنه حتى الصحابة اختلفوا فيها وكانوا يجهلون عمومها: "إنه يعلم من أدلة المذاهب أن جل الأحاديث التي يحتج بها أهل الرأي وعلى القياسيين من علماء الرواية هي من أحاديث الآحاد التي لم تكن مستفيضة في العصر الأول، أو نقل عن الصحابة والتابعين خلاف في موضوعها، فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبي وأصحابه، وليست مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الشاهد فيه الغائب، بل كانت مما يرد كثيرًا في استفتاء مستفت عرضت له المسألة، فسأل عنها، فأجيب: ولعله لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها، ولكان خيرًا له وللناس، إذ لو كانت من مهمات الدين التي أراد الله تكليف عباده إياها لبينها لهم من غير سؤال، فإنه تعالى أعلم بما هو خير لهم." (2)

-أحكام الدين القطعية هي ما كانت بنفس درجة قطعية وصراحة تحريم الخمر، وما دون ذلك مما فيه مجال للاجتهاد لا يكلّف كل مؤمن بالأخذ به.

-الفقهاء الأوائل لم يلزموا الناس باتباع مذاهبهم، ولم يكونوا يعتبرون حكمهم حكم الله، بل هو رأي واجتهاد شخصي غير ملزم لأحد، واجتهاداتهم هذه هي استنباطات تبحث عن الاستحسان والمصالح على ضوء مبادئ القرآن والسنة وليست تشريعًا، بل أحيانا يخالفون الأحاديث إن رأو المصلحة في المخالفة: "والحق أن أكثر ما في كتب الفقه مسائل اجتهادية وآراء ظنية مستنبط بعضها من أقوال فقهائهم، أو من علل دقيقة من علل القياس ينكر مثلها أكثر علماء السلف الصالح، فهي تحترم كما يحترم ما يخالفها في المذاهب الأخر على سواء من باب احترام العلم واستقلال الرأي، وعدم جعل الخلاف ذريعة للعداوة والبغضاء في الأمة الواحدة المأمورة بالاتفاق والاعتصام.

ولكن لا يتخذ شيء منها من قواعد الإيمان، ولا يعد مخالفه كافرًا، ولا عاصيًا لله تعالى، سواء كان مستدلًا أو مقلدًا لغيره في مخالفتها، ولا يجعل ضعف شيء منها مطعنًا في أصل الشريعة كما يفعل ذلك بعض أعداء الإسلام، بل يستعان بمجموعها على التيسير على الناس." (4)

-وأخيرًا يدعو الكتاب لتوحيد المذاهب ونبذ الاختلاف وأن أصول الدين هي ما اتفق عليها أما الباقي فظن ولا يلزم أحد اتباعه: "ولا شيء من [الآراء المذهبية التي يتعصبون لها] بقطعي مجمع عليه، فمن مقتضى أصولهم كلهم وجوب ترك كل أسباب هذا التفرق والاختلاف، حتى قال الغزالي في "القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعد المسائل الظنية المختلف فيها كأن لم تكن." (3)


الكتاب قيّم وفيه فائدة عظيمة، الشيء الذي لم يعجبني هو أسلوب طرح الأفكار على شكل نقاش أو سجال بين طرفين. لا أحب هذا الأسلوب وأفضل الأسلوب الإنشائي عليه.

آخر فصل (أو فصلين؟) من الكتاب كان رائعا تحدث فيه عن أحكام الطهارة والنجاسة من القرآن وأنه يكفي المسلم أن يكون نظيفا ويحرص على نظافته الشخصية والسلام بعيدا عن تعقيدات الفقهاء وأحكام الطهارة التي ألفت فيها المجلدات، وهذه كانت قناعتي من قبل. وتمنيت لو أفرد فصولا مثل ذلك لباقي الاختلافات والتعقيدات الفقهية. 

أختم كلامي بهذا الاقتباس الأخير: "إننا نهينا عن السؤال عما لم يبين لنا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101].

كل هذا كان قبل إكمال الدين، أفلا يكون بعد إكماله آكد وأولى؟ ولكننا لم نمتثل كل هذه الأوامر والنواهي، وأنشأنا نفرض مسائل، ونخترع لها أحكامًا، نستدل عليها بضروب من الآراء والأقيسة الخفية أو غير الخفية، وهي تتعلق بأمور العبادات التي لا مجال للعقل فيها، فوسعنا الدين بذلك، وجعلناه أضعاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوقعنا المسلمين في الحرج والعسر المنفيين بنص القرآن ولا حجة لنا في هذا إلا تقليد بعض الفقهاء الذين فرضتم علينا اتباع ما يقولون، وإن خالف صريحًا ما يقول الله ورسوله." (5)


الصفحات التي وردت فيها الاقتباسات التي اقتبسناها من الكتاب:

(1) ص78، (2) ص220، (3) ص215، (4) ص218، (5) ص80-81



طالع أيضا:

الأصل في المعاملات الإباحة وتحذير من التساهل في إطلاق التحريم

عن الإكثار من الأسئلة والفتاوى

ما هو الإجماع؟ وهل هو ممكن أم مستحيل؟

ما مدى صحة حديث الفرقة الناجية؟


اقرأ المزيد »

الثلاثاء، 20 مايو 2025

ما هو الإجماع؟ وهل هو ممكن أم مستحيل؟

2

 

الإجماع... وثبوت العقيدة

آراء العلماء في الإجماع:

[...] لا أكاد أعرف شيئًا اشتهر بين الناس أنه أصل من أصول التشريع في الإسلام، ثم تناولته الآراء واختلفت فيه المذاهب من جميع جهاته، كهذا الأصل الذي يسمونه "الإجماع" فقد اختلفوا في حقيقته: منهم من رأى أنه "اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي"، ومنهم من رأى أنه "اتفاق أكثر المجتهدين فحسب" ومنهم من ذهب "إلى أنه اتفاق طائفة معينة فلا يعد اتفاق غيرها إجماعًا".

ثم اختلف هؤلاء في هذه الطائفة من هي؟ فقيل (الصحابة) وقيل (أهل المدينة) وقيل (أهل البيت) وقيل (الشيخان: أبو بكر وعمر) وقيل (الأئمة الأربعة) إلخ.

واختلف الذين قالوا بالجميع: هل الإجماع بهذا المعنى ممكن متصور الوقوع، أو هو غير ممكن لأن الاجتهاد ليس له مقياس بارز متفق عليه بين العلماء، ولأن المجتهدين غير محصورين في بلد واحد أو إقليم واحد؟

واختلف الذي قالوا بإمكانه وتصور وقوعه: هل يمكن معرفته والاطلاع عليه أولا؟ وممن روى عنه المنع الإمام أحمد رضي الله عنه إذ يقول في إحدى روايتين عنه: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب.

واختلف الذي قالوا بإمكان معرفته والاطلاع عليه: هل هو حجة شرعية فيجب العمل به على كل مسلم أو ليس حجة شرعية فلا يجب العمل به؟.

واختلف الذي قالوا إنه حجة شرعية: هل ثبتت حجته بدليل قطعي يكفر منكره، أو بدليل ظني فلا يكفر؟ وهل يشترط في وجوب العمل به أن ينقل إلينا بالتواتر أو يكفي أن ينقل ولو بالآحاد؟ وهل يشترط أن يبلغ المجمعون عدد التواتر أو لا يشترط؟ وهل يشترط أن يصرح الجميع بالحكم مشافهة أو كتابة، أو لا يشترط فيكفي تصريح بعضهم وسماع الباقين مع سكوتهم؟... إلخ.

وكما اختلفوا في حقيقته وحجيته اختلفوا فيما يكون فيه من أحكام: فقال قوم: إنه حجة في العلميات والعمليات جميعًا، وقال غيرهم: إنه حجة في العمليات فقط. ومن ذلك كله يتبين أن حجية الإجماع في ذاتها غير معلومة بدليل قطعي فضلا عن أن يكون الحكم الذي يثبت به معلومًا بدليل قطعي فيكفر منكره.


شيوع حكاية الإجماع في المسائل الخلافية:

ولعل اختلاف العلماء في الإجماع على هذا النحو يفسر لنا ظاهرة منتشرة في كتب القوم وهي حكاية الإجماع في كثير من المسائل التي ثبت أنها محل خلاف بين العلماء، وذلك من جهة أن كل من حكى الإجماع في مسألة هي محل خلاف قد بنى حكايته على ما يفهمه هو أو يفهمه إمامه أو الطائفة التي ينتمي إليها في معنى الإجماع وما يكفي لتحققه.

وعلى الرغم من ظهور السبب في تلك الظاهرة فقد تأثر بها كثير من المتأخرين فخضعوا لها، وتوسعوا فيها تأييدًا لآرائهم في المسائل الخلافية: فتجدهم في علم الفروع يحكمون الإجماع على إلزام الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وعلى تحريم لحم الخيل، وعلى حل أكل الضب، وغير ذلك. وتجدهم في علم أصول الأحكام يحكون الإجماع على العمل بخبر الواحد، وعلى تقديم الإجماع على النص عند التعارض، وعلى العمل بالقياس. وتجدهم في علم الكلام يحكون الإجماع على رؤية الله بالأبصار، وعلى ظهور المهدي، والدجال، ونزول عيسى، وما إلى ذلك من المسائل العلمية والعملية التي ثبت فيها الخلاف، ولم تكن محل قطع وإجماع.

وقد كان في وسعهم أن يقيدوا ذلك الإجماع الطائفي أو المذهبي، ولكنهم قصدوا أن يرسلوا كلمة الإجماع ليسجلوا على المخالف لوازمها الشائعة بين الناس: من مخالفة سبيل المؤمنين، ومشاقة الله ورسوله، وخرق اتفاق الأمة، إلى غير ذلك مما يتحرجه المسلم ويخشى أن يعرف به عند العامة. وكثيرًا ما تراهم يردفون حكايتهم للإجماع بقولهم (ولا عبرة بمخالفة الشيعة والخوارج) أو (بمخالفة المعتزلة والجهمية) ونحو ذلك مما يخيفون به، وبهذا امتنع كثير من العلماء عن إبداء رأيهم في كثير من المسائل التي هي محل خلاف ظنًا بسمعتهم الدينية، فوقف العلم، وحرمت العقول لذة البحث، وحيل بين الأمة وما ينفعها في حياتها العملية والعلمية.

[...]

الإجماع عند المحققين:

وقد كشف جهابذة العلماء عن حقيقة الإجماع التي تسمو عن الخلاف والتي هي حجة ملزمة عند الجميع؛ قال الشافعي: "ولست أقول، ولا واحد من أهل العلم: هذا مجمع عليه، إلا لما لا تلقى عالمًا أبدًا إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع ركعات وكتحريم الخمر وما أشبه هذا). وقال ابن حزم: (وصفة الإجماع هو ما تُيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك مثل أن المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأن بني أمية ملكوا دهرًا طويلا ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت موقعة صفين والحرة وسائر ذلك مما يعلم بيقين وضرورة).

ولا يخفى أن معنى ما ذكره الشافعي وابن حزم أن الإجماع لا يكون إلا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وفيما كان طريق العلم به هو التواتر الذي يفيد قطعية الورود وانتفاء الريب، فهذا هو الإجماع الذي تتم به الحجة ولا يصح أن يخالف، ولا ريب أن العمل في مثل هذا لا يكون عملا بالإجماع من حيث هو إجماع؛ وإنما هو عمل بما تلقته الكافة عن الكافة، مما لا شبهة في ثبوته من صاحب الشرع، وأن الإجماع فيه لم يكن إلا أثرًا من آثار الثبوت على هذا الوجه، فلا يكون مصدرًا له ولا أصلا في ثبوته.

ومن هنا قرر العلماء أن منكر حجية الإجماع لا يكفر، في حين أنهم حكموا بالكفر على من أنكر المجمع عليه.

هذا وقد رأى بعض الباحثين أن الإجماع الذي كان يرجع إليه، ويجري على الألسنة في الصدر الأول حيث لا نص هو إجماع بمعنى آخر غير هذا الإجماع الذي اصطلح عليه الأصوليون واشتهر بين الناس أنه حجة شرعية، واعتمدت عليه عصور التقليد في سد باب الاجتهاد، وعصور التعصب في الرمي بالتضليل والتفسيق والخروج عن سبيل المؤمنين.

***

نعود بعد هذا فنقول: إن الذي ذهبوا إلى حجية الإجماع لم يتفقوا على شيء يحتج به سوى الأحكام الشرعية العملية، أما الحسيات المستقلة من أشراط الساعة وأمور الآخرة فقد قالوا: (إن الإجماع عليها لا يعتبر من حيث هو إجماع لأن المجمعين لا يعلمون الغيب، بل يعتبر من حيث هو منقول عمن يطلعه الله على الغيب، فهو راجع إلى الإخبارات فيأخذ حكمهما، وليس من الإجماع المخصوص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الحسي المستقبل لا مدخل للاجتهاد فيه، فإن ورد به نص فهو ثابت به ولا احتياج إلى الإجماع، وإن لم يرد به نص فلا مساغ للاجتهاد فيه) وعلى هذا تخضع جميع الأخبار التي تتحدث عن أشراط الساعة ومن بينها نزول عيسى إلى مبدأ القطعية والظنية في الورود والدلالة، [...].


الإسلام عقيدة وشريعة، الشيخ محمود شلتوت، ص66-70


اقرأ المزيد »

السبت، 12 أبريل 2025

ما حكم استخدام التقويم الميلادي؟

0


هل "التقويم الهجري" إسلامي فيجب الاهتمام به وحده؟ و"التقويم الميلادي" مسيحي، فلا نكترث به؟!

فبعض المسلمين يصر على إهمال التقويم الميلادي وإلزامنا بالهجري، وكأن الأول خصصه الله للكافرين والآخر خلقه الله للمسلمين!

ولو تحرينا ورجعنا للتاريخ لوجدنا أن حاجة القدماء إلى التقويم جعلتهم يبحثون عن شيء يقيسون به الزمان (في وقت لم يكن به أي وسيلة للقياس)، فكانت حركة القمر هي التي أثارت انتباههم -قبل حركة الشمس- لأنها الأقرب والأوضح والأسهل ملاحظة. وكان العرب من أشهر أمم العالم اعتماداً على القمر في تقاويمهم واستمر ذلك وثبت بمجيء الإسلام، إلا أن هناك أمماً كثيرة اتخذت من القمر تقويماً لحساب شهورها، من هؤلاء الهنود واليهود والصين...

وإن استعمال الشعوب للتقويمين قديم، وقديم جداً، ولقد استعمل "التقويم الهجري" قبل الهجرة بمئات السنين فلم تكن هويته "إسلامية"! واستعمل "التقويم الميلادي" قبل ولادة المسيح وقبل ظهور النصرانية بعشرات السنين، فلم تكن هويته مسيحية.

وإن التقويم الشمسي واضح وثابت فيُسهّل التخطيط لمستقبلنا وأعمالنا (كم بقي للعطلة الصيفية ومتى سيدخل الشتاء، ومتى موسم الحصاد...)، وإن ذُكر آذار (مارس) علم الجميع أنه بداية فصل الربيع.. أما القمري فإنه يدور ويتغير، وكل عام هو في شأن (ربما: لنجرب الصيام في الحر والقر، ولكي يقصر على أقوام ويطول على آخرين).

وإذا كانت بعض الأحكام الشرعية تتبع السنة القمرية، كرمضان والحج والعدة... فإن الله جعل لدورة الشمس أهمية وألزمنا بتتبعها حين ربط الصلوات الخمس بحركاتها اليومية في فلك السماء، وهكذا تتباعد الصلوات أو تتقارب، ويطول يوم الصيام أو يقصر بحسب بعد وقرب الشمس عن الأرض أي حسب فصول السنة الميلادية، وربط الله الفطر في يوم الصيام بغروب الشمس كما ربط الإمساك بالفجر.

 فالتقويمان متداخلان ويصعب فصل أحدهما عن الآخر. ونحن نحتاجهما معاً، وفي الشام كنا نعتني بالاثنين ولا نجد ذلك صعباً.


عابدة المؤيد العظم، نقلا عن صفحتها بالفايسبوك





(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس 5)


"وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، (وقدره منازل) أي: قدر له، يعني: هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما.

قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: "والله ورسوله أحق أن يرضوه" (التوبة - 62).

وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن القمر يعرف به انقضاء الشهور والسنين، لا بالشمس." (تفسير البغوي)

اقرأ المزيد »

السبت، 22 مارس 2025

ما حقيقة قولهم: "أجمعت الأمة على أنَّ أصحَّ كتابٍ، بعد كتاب الله، صحيحُ البخاري"؟

0

 

سألني: ما حقيقة قولهم: "أجمعت الأمة على أنَّ أصحَّ كتابٍ، بعد كتاب الله، صحيحُ البخاري"؟ 

والجوابُ: 

*أولاً: نحن لا نُسَلِّم أصلاً بقضية الإجماع أصولياً، فنحن نشكك (بل نَقْدَحُ) في الإجماع: 

- في إمكان وقوعه ابتداءً، 

- وفي العلم به إذا وقع، 

- وفي حُجيته إذا عُلِمَ. 

وليس يسمح المقام ههنا ببسطِ شيءٍ من ذلك، ولا بمناقشة ما استدل به جمهور العلماء على حجية الإجماع. 

*ثانياً: الجملة المسئولُ عنها أعلاه: كَذِبٌ صُراحٌ؛ لأنها حَصَرَت "أمةَ المسلمين كلها" في "جماهير متأخري علماء مدرسة/ تيار أهل السنة والجماعة". بينما مدارس/ تيارات : المعتزلة، والشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية، والإباضية، والخوارج، وغيرهم، عن بَكْرَةِ أبيهم، جميعاً، إجمالاً، لا يَنظرون إلى صحيحَيْ البخاري ومسلم إلا كما يَنْظُرُ متأخرو علماء أهل السنة والجماعة للسنن الأربعة (سنن الترمذي والنسائي وأبي داوود وابن ماجة)، فهم - أقصد المعتزلةَ والشيعةَ وكلَّ مَن ذكرتُ آنفاً- لا يُسَلِّمون بصحة أحاديث الصحيحين، وإنما ينظرون إليهما نَظْرَتهم لأي كتابِ حديثٍ/ رواياتٍ، فيه الصحيح والضعيف والموضوع. 

*ثالثاً: مُتَقَدِّمو علماء تيار أهل السنة والجماعة (سواء من المحدثين أو الفقهاء أو المتكلمين أو المفسرين) لم يتفقوا على "صحة كل أحاديث البخاري المُسْنَدَة المرفوعة"، بل انْتَقَدَ/ رَدَّ/ ضَعَّفَ الكثيرون مروياتٍ مُسْنَدَةً مرفوعةً في صحيح البخاري، سواءٌ كان ذلك قبلَ وجود البخاري نفسه أو بعدَه (حيث إن أكثر مرويات البخاري في صحيحه كانت مُتداوَلَةً وشائعةً بين أهل الرواية والعلم والفقه قبل أن يجمعَ البخاري صحيحَه، وكثيرٌ منهم انتقد/ ردَّ/ ضَعَّفَ عدداً منها، سواءٌ قبلَ أنْ يجمعَ البخاري صحيحَه أو بعدَه). وهذا يعلمه كلُّ مَن تعمقَ شيئاً في ميدان الدراسات الحديثية (وخاصةً : كتب علوم/ مصطلح الحديث، وكتب الرجال والجرح ولتعديل، وكتب العِلَل، فضلاً عن الكُتُب التي أُفْرِدَت - قديماً وحديثاً- في نقد وتضعيف أحاديثَ في البخاري ومسلم). 

*رابعاً: ما يزالُ بعضُ كبارِ علماء المسلمين، من مختلف المشارب والمدارس والتيارات الفكرية، السنية وغير السنية، والحديثية والفقهية والكلامية والتفسيرية وغير ذلك، قديماً وحديثاً، ينتقد/ يَرُدُّ/ يُضَعِّف أحاديثَ/ مروياتٍ في الصحيحين. وهذا يعلمه كلُّ مَن تعمقَ شيئاً في ميدان الدراسات الإسلامية عموماً، والدراسات الإسلامية "المقارِنَة" خصوصاً. 

*خامساً: مِن أشنع وأقبح العبارات والتعبيرات: أنْ يُوضَعَ "كتابٌ بشري" مَوْضِعَ المقارنةِ مع "الكتاب الإلهي الخاتم"؛ حيث: كيف يجوز في ميزان العقل المسلم أن يُوازَنَ أو يُقارَنَ "فِعْلُ البخاري البشري في رواية وتصحيح الأحاديث" بـ "الفعل الإلهي في حفظ اللهِ لكتابه"؟! وكيف يمكن أصلاً تَصَوُّرُ أنْ يُوضَعَ كتابٌ بشري -أياً مَن كان مؤلفه، وأياً ما كان محتواه- على مسطرةٍ واحدةٍ مع كتاب الله المجيد، بحيث يَنْزِلُ هذا الكتابُ البشري درجةً، ويَصْعَدُ كتابُ الله درجةً؟! 

وعليه، فمَن شاء أنْ يقول العبارة أعلاه: 

أ- فليقل: "البخاري: أصحُّ كتابِ مروياتٍ عن النبي (عليه الصلاة والسلام) عند جُلِّ علماء مدرسة/ تيار أهل السنة والجماعة". 

وقولي "جُل": احترازٌ؛ لأنَّ:

• مِن علماء هذا التيار -سواء قبلَ وجودِ صحيحِ البخاري أو بعدَ وجوده- مَن يُقَدِّمُ مُوَطَّأ مالِكٍ -أعني المُسْنَدَ المرفوعَ منه- على ما عداه، بإطلاقٍ وتعميم، • كما أن منهم مَن يُقَدِّم صحيحَ مسلمٍ على صحيح البخاري، سواء بإطلاق تعميم، أو باعتبارات دون أخرى. 

ب- وليس: "أجمعت الأمة على أن البخاري أصح كتابٍ على وجه الأرض بعد كتاب الله"! فما أقبح وأشنع وأكذب هذه الأخيرة، على شُهرتها العريضة! 

فالجملة المذكورة في "أ": جملة علمية دقيقة، تُخبر عن واقع الأمر عند المذكورين فيها، بينما الجملة المذكورة في "ب" (أياً ما كان مقصودُ مُسْتَخْدِمِها منها) : جملة أيديولوجية -في مآلها-؛ تُستخدم للتضخيم والتهويل؛ حتى يُلْقَى في رُوعِ سامعها أنه أمام عمل شِبْه إلهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه! 

*سادساً: تعامُلُ أكثرِ المسلمين المعاصرين مع صحيح البخاري تتوزعه نزعتان رئيسيتان -إجمالاً-، هما: "نزعةُ تقديسه"، و"نزعةُ تدنيسه"، واللهَ نسأل أن يُعافينا من هذين الداءَيْن العُضالَيْن. 

*سابعاً: عندي، أنه: ليس كلُّ ما نُسِبَ للنبي عليه الصلاة والسلام: صَحَّت نسبته، وليس كلُّ ما صحت نسبته: صَحَّ فهمه، وليس كلُّ ما صَحَّ فهمه: صَحَّ وَضعُه في موضعه. و"صحيحُ البخاري" -عندي-: هو "اجتهادُ الإمامِ البخاري" في تصحيح ما ذَكَره فيه من أحاديث، لا أكثر ولا أقل. وأكتفي بهذا القدر من الإشارات الدقيقة المُرَكزة المُخْتَصَرة، والله تعالى أعلى وأعلم.

 [يحيى جاد - 17/ 10/ 2016م] نقلا عن صفحته بالفايسبوك.

اقرأ المزيد »

الأربعاء، 16 أغسطس 2023

أهمية تفعيل الحس الأخلاقي لدى المسلم

2


توجد لدينا مشكلة كبيرة ألاحظها منذ زمن تتمثل في حلول الفقه محلّ الأخلاق والحس الأخلاقي

شاهدتها سابقاً لدى من كان يدافع عن مشروعيّة عقوبة "حرق البشر أحياء" لأن في الموروث الفقهي آراءً تبيح ذلك. وهناك بالمقابل من "دافع" عن الموروث الفقهيّ بقوله إنه لولا الآراء الأخرى التي تحرّم حرق البشر لما استطعتم استنكاره! مع أنك لو سألت شخصاً لادينياً فعلى الأرجح سيجيبك بأنه أمر في غاية الشناعة والبشاعة.. الأمر لا يحتاج إلى دينٍ حتى، والمفترض ألا ننتظر الفقه ليحرّمه حتى نستنكره ونعتقد بإثمه، أي أن يكون لدينا حسّ أخلاقيّ مستقل عن الفقه. (يعلّق البعض هنا بأن الأحكام الأخلاقية للّادينيّ فيها قدرٌ من الاعتباطية والتأثر بالإعلام ولا يُبنى عليها، وهذا صحيح، ولكن في هذه الحالة فالإسلام لديه فلسفة وتوجه في الحرب والتعامل مع العدو، وتعذيب الأعداء مما حرّمه الإسلام وضوحاً ويخالف مجمل توجّهه، ولعل الإسلام أول تشريع يتعامل برحمةٍ مع الأعداء أصلاً وهذه المسألة من ضمن ما يدركه اللاديني بفطرته لا تأثرا بأحد). 


وسمعت سابقاً عمّن استحلّ القطيعة الكاملة فوق ثلاثة أيام -بل فوق ثلاث سنوات- لأنه وجد رأياً يبيحها.. وكأن وجود هذا الرأي يغيّر من تقييم الفعل..


وسمعت من يقول حرفياً بأن كل طلاقٍ أخلاقيّ بالضرورة ولا يمكن أن يكون خاطئا أو تعسفياً أو مضرًّا بحال طالما أنه مباح شرعاً.


هناك من يقصر حسه الأخلاقي على أحكام الفقه الخمسة ولا يعترف بمصدر أخلاقي سواها، وسيكفيه إيجاد مستندٍ فقهيّ يجعل الفعل مباحاً -أو مختلفاً عليه-، فلا يعود هناك مكان للضمير أو الأخلاقية .. ويتحول الخلاف المهمّ والخطير حول أخلاقيّة الفعل ومدى سلامة عواقبه إلى خلافٍ فقهيٍّ مشروعٍ واجتهاداتٍ مختلفة صحيحة ومتساوية!


أفعال تنظيم داعش بمجملها لديها آراءٌ فقهية كثيرة تستند إليها.. ومن لم يوصله ضميره وتفكيره وحسّه الأخلاقي إلى فساد منهج داعش وإجرامها فغالباً لن ينفع معه النقاش في الأدلة الشرعية فهناك آراء وتفسيرات على الجهتين.. ليست الأدلة الشرعية هي ما يفترض به أن يقنعك بلاأخلاقية داعش، وليس المفترض بك أن تظل حائراً في مدى سلامة منهج داعش حتى تجد دليلا نصيًّا يخبرك بالجواب.


بل إن هذا يقزّم الخلاف الأخلاقيّ والإنسانيّ العميق مع كلٍّ من التصرفات السابقة ويختزله إلى مجرد اختلافٍ في فهم النّصوص الشرعية والاجتهاد الفقهي.


تحدّث الشيخ محمد الغزالي رحمه الله عن هيمنة الفقه على علوم الدّين نفسها حتى صار القرآن يُقرأ على أنه فقه والسّنة تُقرأ على أنها فقه، ويتم تناسي الأخلاقيّات والكونيّات والحكمة والتفكر في سنن نهوض وسقوط الأمم. وتحدّث الدكتور جاسم سلطان عن نفس المعنى ذاكراً ما حصل للشّورى؛ فبدلا من أن تُدرس الشورى كأداةٍ لا غنى عنها لبقاء الحضارات وازدهار الدول والمجتمعات، وتوضع نظريات ودراسات معمّقة في كيفية تطبيقها، دُرست على أنها مسألةٌ فقهية، فضاعت ما بين قائل بأنها مُلزمة وقائل بأنها غير ملزمة واستوى الرأيان ولم نستفد شيئا من آيات الشورى حيث صار الآخذ بها وغير الآخذ بها كلاهما ملتزمَين بتشريع الله في الشورى! (هنا يتغوّل الفقه ليس فقط على مساحة الأخلاقيّة بل أيضا على مساحة الحكمة والتّفكير في سنن الحياة كقيام وسقوط الحضارة .. ما هو الردّ على من يقول بأن الالتزام بالشورى ليس اختياريا بل هو أمرٌ ضروريّ ولازم لقيام الحضارة فضلا عن كونه أكثر أخلاقية؟ الرد طبعا هو أن عدم الأخذ بها أيضاً مباح فقهياً، إذاً فهو جائز أيضاً!).


يمكن تسمية هذا بالبارادايم الفقهي أي الإطار الفكري الذي يسيطر على العقل ويشكّل نظرة الإنسان للأمور وفق الأحكام الخمسة حصراً، فلا يعود هناك بالنسبة له معنى لضروريّة شيء إلا عبر كونه واجباً فقهيا، ولا يستطيع التفكير في لاأخلاقية شيءٍ إذا كان مباحاً فقهيا، مع أن أخلاقية الشورى وضروريّتها لبقاء الحضارة أهمّ وأقوى بكثير من أن تحتاج لإيجاب فقهي.

 

في قضيّة تعدد الزوجات هناك كذلك حالات عديدة لزيجات تعسّفية من أجل نزوات واهية تُحدِث أضراراً نفسيةً بليغة وتحطم أسراً بأكملها، مدعومةً بخطاب فقهي لا مكان فيه لأخلاقية التصرف أو حكمته وحساب عواقبه ويصطف بجانب الزّوج في جميع الأحوال ولو عدّد في السّر دون علم زوجته، ويجرّم رفض الزوجة ويحرّم عليها حق الطلاق حتى -بعكس ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع فاطمة وعلي في القصة المعروفة-.


المشكلة المذكورة لا تشمل من يدافع عن أخلاقية التّعدد لأسبابٍ معينة يرى أنها تجعله أخلاقيا في حالات حيث يمكن مناقشتها معه، لكنها تشمل من ليست لديه أسبابٌ حقيقية لاعتباره أخلاقيا ويدافع عن أخلاقيته فقط لأن الفقه يبيحه في كلّ الحالات أي أنه يساوي بين المباح والأخلاقي. وهذا الشخص لا يمكن مناقشة الأخلاقية معه حيث ليس لها وجودٌ مستقلّ في قاموسه وفي جهاز الاستقبال الذهني الخاص به.


من حيث المبدأ فالمشي في الشارع مباح شرعاً ومع هذا قد تفرض الدولة حظر تجول إذا كان في ذلك مصلحة، وقد نُحذّر بشدة من المشي في الشارع إذا كان من الممكن أن يؤدي إلى أذى. وكذلك أكل اللحم مباحٌ ورغم هذا سنستنكر أكل اللحم أمام فقير لم يتذوقه منذ سنة، وسنراه فعلا آثما. فدخول عنصر الأذى إلى المشهد يغيّر تقييم الفعل كله.. ليس هناك أذى مباح. ويبدو أنه لن ينزعج أحد مما سبق بحجة أنه تحذير مما أحلّ الله أو اعتراضٌ على شرع الله في إباحة المشي في الشارع أو إباحة أكل اللحم.. من الذي قال إن المباح أخلاقي دوماً أو حكيم دوماً؟


الأمر ذاته ينطبق على الزواج من الفتيات القُصّر، والذي يُستباح لعدم تحديد الفقه لسنٍّ أدنى لصحّة الزواج.. وينطبق أيضاً على الزواج من الكتابية لمن يعيش في الغرب مثلا، والذي قد نحذّر منه لما قد يتبعه من انحرافٍ في بوصلة الأبناء.. وهذا ليس تحريماً للحلال، بل وضعٌ للأمور في محلها، وتصرفٌ بحكمة. 

 

الشقّ الثاني من المشكلة هو أن هذا الفقه المتغوّل نفسه نحا في بعض الأمور منحى الحكم القانونيّ وصارت أحكامه قوانين لا أخلاقا .. فصار المباح بلغة فقه المعاملات هو المتاح قانونياً وليس الأخلاقيّ بالضرورة أو حتى الحياديّ أخلاقيا.. في حين أنّ ما يريد الإله منا فعله هو الأخلاقي وما سيعاقبنا على فعله هو اللاأخلاقي.


لذا، فإباحة الفقيه لا تغني عن الضّمير أو الحكمة ولا تشفع لمن خدع ضميره أو عطّل عقله. والحساب الأخرويّ يتعلق بأخلاقية الفعل في كل حالة والاجتهاد في استخدام العقل وحكمة التصرف، فإذا كان أي فعلٍ لاأخلاقياً فهو آثم ولو أباحه الفقيه أي جعله متاحاً، وهكذا أفهم الدين كله. 


ما دور الضمير ولماذا يوجد أصلا إذا كانت جميع الأمور مقننةً مسبقاً بحكم محدد وتقييمها الأخلاقي معروفاً سلفاً! هل يظن الإنسان أنه استغنى عن الضمير بوجود الفقه!


من الغنيّ عن القول أنه لا ينبغي إلغاء القوانين، ولكنّ اختزال كيفيّة الحساب الإلهي للإنسان في مجموعة القوانين يتيح المجال لإيجاد تخريجات قانونيّة تحتال على المقصد الأخلاقي بأفعال لاأخلاقية دون أن تستطيع القوانين إدانتها، كما يحدث في أية منظومة قانونية، مما يوهِم بأن ذلك سينطلي على الله. والصحيح أن الله تعالى يأخذ مثقال الذّرة بالاعتبار في الحساب فكيف بمدى أخلاقية الفعل؟ وأنّ من وظائف الدّين إلى جانب رسم الخطوط القانونية العامة تنمية حجم الضّمير لدى الإنسان ومخاطبة هذا الضمير ليميز التصرف الأخلاقي من اللاأخلاقي في كل حالة على حدة.

 

من لا يرى أن الإباحة الفقهية لا تجعل الفعل أخلاقيا بالضرورة فمن الصّعب إيجاد أرضيةٍ مشتركة للنقاش معه في الأمثلة السابقة وأخلاقيّتها في الحالات المختلفة. وكأنه يقول إنّ خلافه مع تنظيم داعش خلاف فقهيّ وحسب لأن الأخلاقية عنده هي بنت الرأي الفقهي مهما كان. أما من يستطيع تمييز الأخلاقية كأصلٍ مستقل فالنقاش معه يتركز في متى يكون الفعل أخلاقياً وحكيماً ومتى لا يكون ولماذا .. وعلى ذلك يتوقف الحكم والحساب، فإذا كان الفعل لاأخلاقياً في حالةٍ ما فلا يمكن أن يكون حينها مباحاً بلغة الإله أي ألّا يكون فيه إثم .. ولو كان مباحاً في فقه المعاملات ذي المنحى القانوني.


فما أكثر ما ذكر القرآن التقوى عند الحديث عن الزواج والطلاق، وما أكثر الآراء الفقهية القانونية التي تخيّل للإنسان أنه مخيّر في التقوى أو عدمها.


الفقه من أعظم علوم الدين وأهمّها، ولكن من المؤسف أن نرى الخطاب الفقهي اليوم يلقي معظم ثقله في إجابة سؤال الإباحة/الإتاحة أو عدمها فيعزّز هذا الإطار الفكري في الأذهان، ولا يولي سؤال الأخلاقيّة والتّقوى والاجتهاد في استخدام العقل -وهو مناط التكليف الإلهي أصلا- وحكمة التّصرف إلا القليل من الاهتمام ولا يدفع المرء للتفكير فيها وكأنها أمورٌ ثانوية أو ليست من الدين أو لا ينبني عليها حساب أخرويّ وثواب وعقاب وجنة ونار.


بقلم Mohammad Al Shoker (نقلًا عن صفحته بالفايسبوك)

اقرأ المزيد »

الخميس، 1 يونيو 2023

هل هناك علاقة بين الزلازل والغضب الإلهي؟ الإحصائيات تجيب

0


أصحاب تفسير الزلازل بالغضب الإلهي والمعصية.


يمكن التحقق من هذا الادعاء بمقارنات إحصائية بسيطة.


الصورة [...] تعبّر عن ضحايا الزلازل في كلّ من "الشّيلي" "اليابان" و"تركيا" على امتداد قرن من الزمان. النقاط تعبر بحجمها عن عدد الضحايا.


عندنا فرضيتان:


1- الزلازل متعلقة بمعاصي العباد، ممّا يعني أن الأكثر معصية وكفرا من المجتمعات ستكون ضحاياها أكبر وتركيز الزلازل فيها أشدّ.


2- الزلازل مثلها مثل أيّ كارثة طبيعية (كالمرض مثلا) كلما استعدّ لها الانسان وقلّل من أضرارها بالعلم سيتخلّص من حتميّتها نسبيا، بصرف النظر عن "علاقته بالله".


الفرضية الأولى ساقطة تماما نظرا لأن اليابانيين بين لاديني أو وثني في نظر أصحاب هذه الفرضية، والشيلي أغلبهم مسيحيون، وهم مع ذلك أكثر حظا من السوريين والتركيّين المسلمين، والمسلم وإن كان "عاصيا" فهو أفضل من لاديني أو وثنيّ!


ثم إننا نلاحظ أن الضحايا كان بعشرات الآلاف في أوائل القرن العشرين في الشيلي واليابان، فجأة منذ عام 1950 بدأت الضحايا تتقلص، ولم تتقلّص ضحايا تركيا..

فهل يعني هذا أنهم كانوا عصاة مغضوبا عليهم، ثم بدؤوا بالتوبة منذ ذلك الحين، أما التركيين استمروا في ارتكاب المعاصي؟!

أم ببساطة، الدلالة الإحصائية تشير إلى أنّ تقلص الضحايا ناتج عن فهم ظاهرة الزلزال وتطور تقنيات التعامل معها.. وهذا الدليل الإحصائي دليل دامغ على ارتباط مدى فهم وتقانَة الإنسان بأثر الكوارث عليه.

إذ لو كان الارتباط متعلقا ب"علاقة العباد بالله" لكان الإحصاء معكوسا، في تركيا أقل وفي الشيلي واليابان أكثر..


لذا... وحدها النظرية الثانية تبقى متماسكة، وهي تبيّن صلابة البنيات التحتية واحتكام السياسات للعلم والتقنية للتقليل من الكارثة، في مقابل بلد معاييره متساهلة ومقاوِلوه غشاشون، تسببوا في موت الآلاف بدل المئات فقط


وسط كل العلوم والأدلة... يبدو للبعض بأن الحديث عن الله وعقابه أمر هيّن معتقدين تعظيمه والدفاع عنه.. ولا شيء يمكنه أن ينسف خطابهم المتناقض بشكل سخيف مع المعطيات الواقعية... ومن يشكك في طريقة تفكيرهم يتّهمونه بقلة اليقين وبالانبطاح للغرب وعلومه!!


حسن خالدي (نقلًا عن صفحته بالفايسبوك)


كيف يسرق الجن الذهب ليتزين به؟!


طالع أيضا:

أخطاء منهجية واستدلالية في فهم الكوارث الطبيعية لدى المسلمين

اقرأ المزيد »

الأحد، 12 فبراير 2023

السنة تشريع وغير تشريع

0

 

ينبغي أن يلاحظ أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ودون في كتب الحديث من أقواله، وأفعاله وتقريراته، على أقسام:

أحدهما: ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء.

ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذي ورد في شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.

ثالثهما: ما سبيله التدبير الإنساني أخذًا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة، والكمون والكر والفر، واختيار أماكن النزول، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة.

وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعًا ولا مصدر تشريع.


محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ص499-500


طالع أيضا:





اقرأ المزيد »

الثلاثاء، 17 يناير 2023

كيف تثبت العقيدة؟ وهل يكفي النص الظني لإثباتها؟

0

 

[...] العمليات التي لم ترد بطريق قطعي، أو وردت عن طريق قطعي ولكن لابسها احتمال في الدلالة فاختلف فيها العلماء، ليست من العقائد التي يكلفنا بها الدين، والتي تعتبر حدًا فاصلا بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون!.


وإنك لتجد كثيرًا من هذا النوع في كتب التوحيد إلى جانب العقائد التي كلفنا الله أن نؤمن بها، فهي تذكر إلى جانب وجود الله ووحدانيته والرسل واليوم الآخر مسائل: رؤية الله بالأبصار، وزيادة الصفات على الذات، ومرتكب الكبيرة، وما يكون آخر الزمان من ظهور المهدي والدجال والدابة والدخان ونزول عيسى وما إلى ذلك [...].


والتاريخ العلمي يدل على أن هذه المسائل جر إليها البحث في العقائد حين تعددت الفرق وكثرت الآراء والمذاهب الكلامية، فكانت محل اجتهاد بين العلماء كل يرى رأيه فيها، ويدلي بحجته على ما يرى، ملتمسًا الوصول إلى ما يلائم في نظره العقيدة المتفقة عليها.


وأمثلة ذلك كثيرة: منها أن المسلمين جميعًا قد اتفقوا على أن الله تعالى منزه عن كل نقص، متصف بكل كمال. فهذه عقيدة قاطعة يعلمها كل مؤمن ولا يختلف فيها عالم مع عالم، ولكن البحث جر إلى مسائل تتصل بها: هل يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده؟ هل العبد خالق لأفعال نفسه الاختيارية؟ هل المعاصي التي يفعلها العباد مرادة لله؟ فاختلف العلماء في هذه المسائل:


رأى المعتزلة أن ترك الأصلح، وتعذيب العبد على شيء لم يفعله، وإرادة القبيح، نقص لا يليق بجلال الله وكماله، فذهبوا إلى وجوب الأصلح على الله، وإلى أن العبد خالق لأفعال نفسه، وإلى أنه تعالى لا يريد المعاصي.


ورأى غيرهم أن إيجاب شيء على الله، وعجزه عن خلق ما يفعله العبد، وحصول ما لا يريد في ملكه، نقص لا يليق بجلال الله وكماله فذهبوا إلى أن الله لا يجب عليه فعل الأصلح، وإلى أنه خالق أفعال العباد، وإلى أن يريد المعاصي.


فأن ترى أن هؤلاء جميعًا لم يختلفوا في الأصل الذي كلفنا الله الإيمان به، وهو تنزيه الله تعالى عن النقص ووصفه بالكمال، ولكنهم اختلفوا في أشياء: هل هي نقص فلا يتصف الله بها، أو ليست بنقص فيتصف بها [...].


الاختلاف فيما لا قاطع فيه يمنع التأثيم:


على هذا النحو جرى الخلاف بين الفرق الإسلامية في المسائل التي جر إليها البحث في العقائد، وهو خلاف كخلاف الفقهاء في أحكام الفروع التي لم يرد فيها نص قاطع محكم. خلاف لا يصح أن يُرمَى أحد فيه بأنه حاد عن الصراط المستقيم، أو ضل، أو فسق، أو أنكر مسألة من مسائل الدين... إلخ ولكن عصور التعصب المذهبي العنيف حملت للمسلمين تراثًا بغيضًا من التراشق بالتهم، والترامي بالفسوق والضلال، فتبادل الفقهاء -أصحاب الفروع- نوعًا من التهم، وتبادل المتكلمون -أصحاب العقائد- مثل ذلك، وتلقف المخدوعون من الخلف هذه التهم وملأوا بها كتبهم، وأسرفوا في الاعتداد بها حتى جعلوها مقياس ما يقبل من الآراء أو يرفض.


من هذا كله يتضح: 

1- أنه لابد في العقيدة من أن يكون دليلها قطعيًا في وروده وفي دلالته.

2- وأن ما لم يكن دليله قطعيًا، فاختلف فيه العلماء، لا يصح أن يعد من العقائد، ولا أن يكون رأيُ طائفة معينة فيه هو الحق دون سواه.

3- وأن كتب التوحيد لم تقتصر على ذكر العقائد التي كلفنا الشارع بها، وإنما ذكرت بجانبها بعض النظريات العلمية التي تعارضت فيها ظواهر النصوص فكانت محل اجتهاد بين العلماء.


ونتيجة هذا كله: أن القول بأن كذا عقيدة يجب الإيمان بها لأن ظاهر الآية أو المروي من الحديث يدل عليه، أو لأنه مذكور في كتب التوحيد -كل ذلك قول من لا يفهم معنى (العقيدة) ولا يعرف أساسها الذي تبنى عليه. 


[...]


القرآن... وثبوت العقيدة


[...] وتطبيقًا للمبادئ التي ذكرناها، يتبين لنا: أن الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة (لا يحتمل معنيين فأكثر)، [كآيات] إثبات الوحدانية والرسالة، واليوم الآخر.


وأما ما كان غير قطعي في دلالته محتملا لمعنيين فأكثر، فهذا لا يصلح أن يتخذ دليلا على عقيدة يحكم على منكرها بأنه كافر، وذلك كالآيات التي استدل بها بعض العلماء على رؤية الله بالأبصار في الدار الآخرة: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ). (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ). (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). ولم يسلم لهم آخرون من العلماء فهمهم فيها، بل نفوا الرؤية المذكورة بآية أخرى ((لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).


وإذن فثبوت العقيدة بالقرآن أو عدمه مبني على قطعية الدلالة أو ظنيتها. أما قطعية الورود فهذا لا شك فيه، إذ القرآن كله قد وصل إلينا -كما أنزله الله- متواترا جيلا عن جيل.


السنة... وثبوت العقيدة


منشأ ظنية السنة:

[...] وإذا كانت العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي في وروده ودلالته، كان لابد من تبيين المبادئ التي تقوم عليها قطعية السنة أو ظنيتها.


وأول ما يجب التنبه له في هذا المقام أن (الظنية) تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة: فقد يكون في اتصال الحديث برسول الله صلى الله عليه وسلم شبهة فيكون ظني الورود، وقد يلابس دلالته احتمال. فيكون ظني الدلالة، وقد يجتمع فيه الأمران: الشبهة في اتصاله، والاحتمال في دلالته، فيكون ظنيًا في وروده ودلالته ومتى لحقت (الظنية) الحديث على أي نحو من هذه الثلاثة فلا يمكن أن تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وإنما يثبت الحديثُ العقيدة وينهض حجة عليها إذا كان قطعيًا في وروده وفي دلالته.


[...]


قسم العلماء (السنة) إلى قسمين: ما ورد بطريق التواتر، وما ورد بطريق الآحاد. [...] إذا روى الخبر واحد، أو عدد يسير ولو في بعض طبقاته، فإنه لا يكون متواترًا مقطوعًا بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يكون (آحاديا) في اتصاله بالرسول شبهة، فلا يفيد اليقين.


[...]


وهكذا نجد نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شيء منه، ويحملون قول من قال: (إن خبر الواحد يفيد العلم) على أن مراده العلم بمعنى الظن كما ورد، أو العلم بوجوب العمل. على أن الكلام إنما هو في إفادته العلم على وجه تثبت به العقيدة، وليس معنى هذا أنه لا يحدث علمًا لإنسان ما، فإن من الناس من يحدث العلمُ في نفسه بما هو أقل من خبر الواحد الذي نتحدث عنه، ولكن لا يكون ذلك حجة على أحد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن الله تعالى لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن [...].


الإسلام عقيدة وشريعة، محمود شلتوت

ص54-60

اقرأ المزيد »

الجمعة، 6 يناير 2023

التكرار في القرآن ما معناه وما هدفه؟

0


 ثمة قضية مهمة، تتعلق بفقهنا للقرآن المجيد، ومن ثم بفقهنا للإسلام كله [..]، وهي : أنْ نجعلَ اهتمامَنا بالأمور على مقدار اهتمام القرآن بها، بمعنى : أنْ نتخذَ من القرآن معياراً لمدى أهمية الشيء من عدمه؛ فـ :

- ما عُنِيَ القرآنُ بذكره من المعاني والموضوعات، وجَعَله في بؤرة اهتمامه، وكَرَّرَ الحديثَ عنه بصورةٍ أو بأخرى، بأسلوبٍ أو بآخَر : فيجب أن يأخذَ من عنايتنا واهتمامنا المكانَ اللائقَ به في الفكر والشعور والسلوك، وأن يكون لذلك أَثَرُهُ العملي في ميادين التثقيف والتوعية والتربية والحياة؛ اقتداءً منا بالقرآن،

- وما كانت عنايةُ القرآنِ به أقل : كانت عنايتنا به في نفس الدرجة.

فهذا - في تقديري- معيارٌ لا يَضِل؛ لأن القرآنَ هو عُمدة الملة وأصلُ الدين ويُنْبُوع الإسلام.

فـ :

- الأمرُ الذي يُعْنَى به القرآنُ الكريمُ (بحيث يكرره ويؤكده في أكثر من سورة، وفي أكثر من مناسبة، وبأكثر من أسلوب) : يدل - بوضوح- على أنَّ له أهميةً ومنزلةً وأثراً في ديننا وحياتنا تُوجِبُ الالتفاتَ إليه، والتنبيهَ عليه، وإعطاءَه حَقَّه من التأمل والعناية الفكرية والعاطفية والعملية، على قدر حَجْمِهِ في القرآن،

- وما أهمله القرآنُ تماماً، ولا ذَكَرَه بحالٍ : دليلٌ على أنه ليس مِن مُقَوِّمَاتِ الدين ولا مِن أساسياته [..]، فما لم يَذْكُرْه القرآنُ قط : يدل على أنه أمرٌ هامشيٌّ غيرُ أساسيٍّ [..]،

- وما ذكره القرآنُ بإيجازٍ وسرعةٍ (دون تفصيلٍ لأمره، ولا تكرارٍ له، ولا تركيزٍ عليه، وربما ذَكَره من باب الإشارةِ والتلميحِ لا العبارةِ والتصريح) : فينبغي أن يكونَ حظه من عنايةِ أُمّةِ القرآنِ - فكراً وشعوراً وعملاً- بمقدار حظه من القرآن [..].

ومن ثم، ينبغي إعادة النظر [في كثير من الأمور والقضايا] التي أَخَذَت وتأخذ مساحةً كبيرة، بل هائلةً، من فكرنا وشعورنا وجهودنا وثقافتنا وتربيتنا، [فتضخمت تضخماً سرطانياً]، على حين أُهْمِلَت، وعلى حساب إهمال، عددٍ آخَر من القضايا شديدة الأهمية والمركزية والمحورية لديننا وحياتنا.



بقلم يوسف القرضاوي، نقلًا عن إضاءات ومراجعات يحيى جاد




التكرار في القرآن:

 القرآن ليس قانونا ولا كتابا فنيا فيذكر المسألة مرة واحدة يرجع إليها حافظها عند إرادة العمل بها، وإنما هو كتاب هداية ومثاني يتلى لأجل الاعتبار والاستبصار تارة في الصلاة، وتارة في غير الصلاة، وإنما ترجى الهداية والعبرة بإيراد المعاني التي يراد إيداعها في النفوس في كل سياق يوجه النفوس إليها أو بعدها ويهيئها لقبولها، وإنما يتم ذلك بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني، ولا يمكن أن تتمكن دعوة عامة في النفوس إلا بالتكرار ; ولذلك نرى أهل المذاهب الدينية والسياسية الذين عرفوا سنن الاجتماع وطبائع البشر وأخلاقهم يكررون مقاصدهم في خطبهم ومقالاتهم التي ينشرونها في صحفهم وكتبهم، بل قال بعض علماء الاجتماع: إن نشر التجار للإعلانات التي يمدحون بها سلعهم وبضائعهم ويدلون الناس على الأماكن التي تباع فيها هو عمل بهذه القاعدة، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء ولو من المتهم في مدحه لا بد أن يؤثر فيه.


محمد رشيد رضا، تفسير المنار، النساء، 116-122
اقرأ المزيد »

الخميس، 30 يونيو 2022

لماذا نقوم بالعبادات؟ لماذا نصوم؟

0


[...] كلما جاء شهر الصوم كثر الحديث عن فوائده، وحكمه وأسراره، ويذهب الكثيرون في التحليق في معاني وأسرار الآيات الكريمات التي تتحدث عن الصوم، وعن الأحاديث التي تناولته، ولكن لا يخلو الحديث من ملاحظة مهمة، من المهم التنبيه عليها، وتجنبها، لأنها توقع في خطأ غير مقصود، وهي: تعليل العبادة، أو الأحكام؛ بعلة لم تشرع لها بالأساس، أو ربما تكون حكمة فرعية ليست المقصودة بالأمر الشرعي.


فترى شيخا أو داعية أو عالما، مجيبا عن السؤال: لماذا نصوم رمضان؟ فيجيب: كي نشعر بالفقير، وكي نحس بآلام الجوعى، وآخر يحدثك بأننا نصوم لكي يرتاح الجسد، ويحصل على قسط من الراحة، وأن الصوم مفيد جدا للجسد، ومحفز على العمل، وهكذا إلى آخر الحكم والعلل التي يذكرها البعض، رغم صدق نواياهام، وحسن مقصدهم من وراء ذلك.
وهي علل وأسباب لم يطلبها الشرع صراحة من المسلم من الصوم، بل هي حكم وأسرار نتجت بناء عن تأملات لبعض الدعاة والمشايخ قديما وحديثا، وهي تعليلات تجرنا في النقاش إلى تعليل الحكم الشرع بما لم يرد به، فالله عز وجل افترض علينا الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، لعلة أن ننفذ الأمر الإلهي، هذه هي الحكمة الأولى والأخيرة من الأوامر والنواهي.


والذهاب إلى تعليل الأحكام تعليلا لم ينطق به النص، يوقعنا في حرج، ويضع التشريع الإسلامي في تضارب، فعندما نقول: نحن نصوم لأن الصوم يجعلنا نشعر بالفقير، أو الزكاة كذلك، فماذا نفعل مع إنسان حسه مرهف، وطوال العام يحسن للفقراء، وكلما رأى يتيما يرق قلبه له، هل معنى ذلك ألا يصوم؟!


وإذا عللنا الصلاة بأنها تفيد الجسد، وتقوي في الإنسان عضلات جسده، وتجعل الدم يجري في عروقه كلها، فهو تعليل لم ينطق به الشرع، ولم يطلبه الشرع من الإنسان في الصلاة، وإلا فمعنى ذلك أن يعفى من الصلاة، من يمارس التمارين الرياضية يوميا، أو من يلعب كمال أجسام، أو رياضة من الرياضات البدنية القوية.


كما نرى في تعليل أحكام أخرى كالزنا، فيقال: إن الزنا حرام، لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فماذا عن الرجل العقيم، أو المرأة العاقر، هل يحل لها الزنا حيث إنها لا تنجب؟ وماذا لو اتخذ الزناة وسيلة لمنع الحمل، أو قررت المرأة الزانية أن تزني مع رجل واحد فقط، هل هنا تنتفي علة التحريم؟ بالتأكيد لا، لكن الخلل يأتي هنا من تعليل الحكم الشرعي بعلة لم ينص عليها الشرع، فالزنا حرام، لأن الله عز وجل حرمه.


وكذذلك شأن كل المحرمات، وعلى رأس ذلك: الفطر في رمضان، فإن العلة من الصوم، هي: أن نمتثل لأمر الله تعالى، ونتعلم متى نفعل ومتى لا نفعل، وذلك وفقا لما أمر الله ونهى، وليس وفقا لأهواء الناس، وإلا فإن الصوم ليس إمساكا عن الحرام، بل هو الإمساك عن الحلال، فما نصوم عنه في نهار رمضان، هو مباح في ليله، [ومباح] في غير رمضان، مثل: الأكل والشرب وجماع الزوجة. 


فالإمساك عن الحرام، هو اختبار مطلوب منك في رمضان وغير رمضان، فالغيبة والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، كلها محرمات في غير رمضان، لكن رمضان مطلوب فيه اختبار آخر -إضافة للامتناع عن الحرام في غيره- أن تمتنع عن بعض ما أحله الله، وحرمه عليك في نهار رمضان، والمقصود من ذلك: كمال امتثال العبد لأمر الله سبحانه وتعالى، علم له علة أو حكمة أم لم يعلم، ومقصود بذلك أن يعلم العبد: أن الذي يحل ويحرم هو الله عز وجل، وأن مطلق التشريع حق له وحده، فينبغي أن يكون ممتثلا لأمره ونهيه.
ليس هناك مانع من ذكر حكم وأسرار للعبادة وأوامر الله ونواهيه، لكن على ألا تكون هي الأصل، إلا إذا ذكر النص الحكمة، كما في الصوم، حيث قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 183، فالتقوى نص عليها النص، ولذا فهي حكمة واضحة، والتقوى بمعناها العام والكبير، والذي يبدأ بتنفيذ أمر الله.


هذا التنويه المهم الذي دار حوله مقالنا، قصدنا منه، ألا نترك مساحة للتشكيك في الدين، أو تشريعه، عن طريق تعليل أو بيان حكم للعبادة أو الأحكام، لأنها تصدر عن عقل مفكر، أو عالم، وهو بشر في النهاية، يصيب ويخطئ، فلا ينبغي أن نضع التشريع عرضة لأفكار أو حكم استنطبها العقل الإسلامي، فهو ليس حجة على التشريع، بل التشريع الإسلامي حجة عليه، والخلط بين المساحتين يفتح بابا للتشكيك في التشريع، وبابا لاتهامه بالنقص، أو التناقض، وحاشاه تشريع ربنا أن يعتوره نقص أو تناقض، بل شريعتنا كاملة تامة، كما قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3.

عصام حلمي تليمة (نقلًا عن صفحته في الفايسبوك)

اقرأ المزيد »

الأحد، 3 أبريل 2022

حقيقة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

0


 ومن المحققين من يرى أن القرآن هو المعجزة الفريدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يلحظون في هذا الحكم التعريف اللفظي للمعجزة من أنها خارق للعادة مقرون بالتحدي، ولم يعرف هذا التحدي إلا بالقرآن.

وقد ملنا إلى قريب من هذا الرأي لا بالنظر إلى التعريف اللفظي للمعجزة بل بالنظر إلى القيمة الذاتية للخوارق الأخرى بالنسبة إلى الأهداف الرفيعة التي جاء بها الإسلام.

على أنه لا صلة للعقيدة ولا للعمل بهذه البحوث، فالرجل الفاسد لا يغفر له فسادَه إيمانه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أظلته غمامة، أو كلمه جماد، والرجل الصالح لا يغمز مكانتَه إنكاره لهذه الخوارق..

فإن هذه البحوث ترجع إلى التقدير العلمي لأدلة الإثبات، والتقويم المحض لما في الوقائع نفسها من معان، وليس للخطأ والصواب فيها مساس بإيمان.

 ***


وقد سلت في المسلمين لوثة شنعاء في نسبة الخوارق إلى الصالحين منهم، حتى كادت جمهرتهم تقرن بين علو المنزلة في الدين وخرق قوانين الأسباب والمسببات، وحتى جاء من المؤلفين في علم التوحيد من يقول:


وأثبتن للأوليا الكرامة     ومن نفاها فانبذن كلامه!!


وصلة هذا الإثبات بعلم التوحيد كصلته بعلم النحو أو علم الفلك!! أي أن حقيقة الدين بعيدة عن هذه البحوث، سواء انتهت بالسلب أو بالإيجاب.

والخوارق التي يتهامس بها المفتونون لأوليائهم هي تعبير سيئ عن رذائل الكسل والحمق التي تكمن في طواياهم، كما أن الأحلام الطائشة التي تعتري النائم تعبير عن الاضطراب الذي يملأ نفسه ويرهق أعصابه.

هذا فتح الباب الموصد من غير مفتاح، وهذا طار في الهواء بغير جناح، وهذا بال على الحجر فانقلب ذهبًا، وهذا اطلع الغيب واتخذ عن الرحمن عهدًا..!!

وأمثال هذه السخافات كثير.. وهي تدل على جهل بحقيقة الدين وحقيقة الدنيا، وتدل على أن مروجيها أضل عقولًا وقلوبًا من أن يعرفوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه.

ما كان محمد صلى الله عليه وسلم رجل خيال يتيه في مذاهبه ثم يبني حياته ودعوته على الخرافة. بل كان رجل حقائق يبصر بعيدها كما يبصر قريبها. فإن أراد شيئًا هيأ له أسبابه وبذل في تهيئتها -على ضوء الواقع المر- أقصى ما في طاقته من حذر وجهد، وما فكر قط ولا فكر أحد من صحابته أن السماء تسعى له حيث يقعد، أو تنشط له حيث يكسل، أو تحتاط له حيث يفرط. ولم تكن خوارق العادات ونواقض الأسباب والمسببات أساسًا ولا طلاء في بناء رجل عظيم أو أمة عظيمة.

إن محمدًا وصحبه تعلموا وعلموا، وخاصموا وسالموا، وانتصروا وانهزموا، ومدوا شعاع دعوتهم إلى الآفاق، وهم على كل شبر من الأرض يكافحون. لم ينخرم لهم قانون من قوانين الأرض، ولم تلن لهم سنة من سنن الحياة، بل إنهم تعبوا أكثر مما تعب أعداؤهم، وحملوا المغارم الباهضة في سبيل ربهم، فكانوا في ميدان تنازع البقاء أولى بالرسوخ والتمكين.

وقد لقنهم الله عز وجل هذه الدروس الحازمة حتى لا يتوقعوا محاباة من القدر في أي صدام، وإن كانوا أحصف رأيا من أن يتوقعوا هذا.

قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [النساء: 102].

فانظر كيف يكلفون -وهم في الصلاة وبين يدي الله- بأشد الحذر والانتباه؟ إن الله لم يدع أملًا يخامر أنفسهم بأن الملائكة سوف تنزل لعونهم! إن لم يخدموا أنفسهم فلن يخدمهم أحد! ذلك هو خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه..

وعندما ذهل المسلمون عن هذا الدرس في غزوة "أحد" لُطموا لطمة موجعة جندلت من أبطالهم سبعين، وأمضهم خزي الهزيمة، فوقف زعيم الكفر يَومئذ -أبو سفيان- يقول: اعلُ هبل...

وأبلى النبي صلى الله عليه وسلم بلاء شديدًا لينقذ الموقف، وقاتل وقَتَل، وأصيب في نفسه [...].

أرأيت التفريط في أسباب النصر جلب شيئًا غير الهزيمة؟ أوَلو كان الذي الذين انهزموا هم ممثلي التوحيد الحق؟! أولو كان الذين انتصروا هم سدنةَ الوثنية المحضة؟!

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّى بغيرها ويقول: "الحرب خدعة"، ومع قيامه بالأسباب على ما أوجب الله، واحترامه للقوانين الطبيعية التي تنظم حياة البشر، مع ذلك فقد استطاعت بعض قبائل العرب أن تخدعه، وأن تستدرج طائفة من القراء من أفضل أصحابه ليقتلوهم عن آخرهم في بئر معونة، فما دلت على مصارعهم إلا الطيور تحلق في الجو مرفرفة على أشلاء الشهداء..

إن هؤلاء الرجال الذين ذهبوا ضحية الغدر من أحب خلق الله إلى الله، ومع ذلك فما أذن [لأحد] منهم أن يطير بغير حناح، أو يتحول عن هذا القدر المتاح كما يفكر متأخرة المسلمين اليوم.

ولئن كان الحذر والحيطة من سنن النبوة، فإن الإعداد واستنفاد الجهد فيه من آكد هذه السنن. وبماذا تحسب محمدًا صلى الله عليه وسلم انتصر على الناس؟

لقد أنضج رجاله بالإيمان كما يُنضج الصيف بلهبه البطيء أطايب ثماره، فلما أرسلهم إلى أنحاء الدنيا طوَّفوا بها، ولهم زئير كزئير العاصفة المكتسحة المهتاجة.. [...]

[...] النبوات بما قارنها من خوارق قد [انتهت] مع الماضي البعيد، فليس [للتحكم] بها من جدوى -وقد علمت أن معجزة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لم تكن على غرار ما سبقها، بل كانت معجزة إنسانية عقلية دائمة، ثم نظم الله حياته ودعوته وفق قوانين الأسباب والمسببات كما رأيت.
 

محمد الغزالي، فقه السيرة، ص39-ص41


طالع أيضا:

اقرأ المزيد »

| مقطع مرئي |