أنقل لكم تفسير هذه الآيات من تفسير المنار (الأنفال 9-14):
"بين تعالى أن هذا الإمداد أمر روحاني يؤثر في القلوب فيزيد في قوتها المعنوية فقال: وما جعله الله إلا بشرى أي: وما جعل عز شأنه هذا الإمداد إلا بشرى لكم بأنه ينصركم كما وعدكم ولتطمئن به قلوبكم أي: تسكن بعد ذلك الزلزال والخوف الذي عرض لكم في جملتكم من مجادلتكم للرسول في أمر القتال ما كان. فتلقون أعداءكم ثابتين موقنين بالنصر، وسيأتي في مقابلة هذا إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا وما النصر إلا من عند الله دون غيره من الملائكة أو غيرهم كالأسباب الحسية، فهو عز وجل الفاعل للنصر كغيره مهما تكن أسبابه المادية أو المعنوية، إذ هو المسخر لها، وناهيك بما لا كسب للبشر فيه كتسخير الملائكة تخالط المؤمنين فتستفيد أرواحهم منها الثبات والاطمئنان إن الله عزيز حكيم عزيز غالب على أمره، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه. [...].
وظاهر نص القرآن أن إنزال الملائكة، وإمداد المسلمين بهم فائدته معنوية كما تقدم، وأنهم لم يكونوا محاربين [...].
وقد وردت روايات ضعيفة تدل على قتال الملائكة لم يعبأ الإمام ابن جرير بشيء منها، ولم يجعلها حقيقة أن تذكر، ولو لترجيح غيرها عليها.
وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وبعض الروايات الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل. فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر، وما كان له من الفوائد لم يكن كافيا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين حتى كان ألف -وقيل آلاف- من الملائكة يقاتلونهم معهم فيفلقون منهم الهام، ويقطعون من أيديهم كل بنان، فأي مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم، وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف؟! [...].
كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه، فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} وهذه الروايات تقول بل جعلها مقاتلة، وأن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصرة المتعددة!.
ألا إن في هذا من شأن تعظيم المشركين، ورفع شأنهم، وتكبير شجاعتهم، وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول، وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الألوسي وغيره بغير سند، وابن عباس لم يحضر غزوة بدر؛ لأنه كان صغيرا، فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة، وقد روي عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله." اهـ.
وقال محمد رشيد رضا في موضع آخر (تفسير المنار، آل عمران، 121-129): "وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط؛ فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أولا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، وأنه خلاف قوله: {ويقللكم في أعينهم} [الأنفال: 44] ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرءوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف. وأيضا إنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول؟ اهـ. [...].
ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل [...]، وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله -تعالى- بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله -عز وجل-: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] قال ابن جرير في معنى التثبيت (ج 9 ص 197) "يقول قووا عزمهم وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال: إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله -تعالى-: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} [الأنفال: 12] إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر. وبعض المفسرين يجعله بيانا لما تثبت به الملائكة النفوس، أي إنها تلقي فيها اعتقاد إلقاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ." اهـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرًا أو اصمت: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)