التفسير الشائع الذي نسمعه دوما عن هذه الآية هو أن الكافر يعيش حياةً تعيسة حزينة، بينما المؤمن يعيش مطمئن القلب مرتاح البال. لكن هل حقًا الأمر كذلك؟ سيأتيك من يبسط الأمور ويسطحها بجملة: "لا سعادة في الدنيا إلا بالإيمان، والكافر لا يعيش إلا شقيا" هكذا بإطلاق يوقعنا في تناقضات مع معطيات الواقع الذي نراه. فكيف نفسر رؤيتنا لغير المسلمين يعيشون في بلدانهم المتقدمة حياة الترف والرفاهية؟ وكيف نفسر أن كثيرًا من المسلمين يعيش في فقر وظلم وحرب؟
طبعا ستأتيك الردود الجاهزة التي تقول إنهم تعساء حقًا حتى وإن بدو لك سعداء! ولا تغتر بمنظرهم السعيد فهي سعادة مزيفة! وغيره من كلام إنشائي يصادر على المطلوب، وكأنهم فتحوا قلوب الناس ورأو ما فيها (راجع المغالطات المنطقية ومغالطة المصادرة على المطلوب)! وبالمقابل إن تحدثت عن مسلم تعيس أو يشعر بالكئابة جاء الرد الجاهز أيضا أن المسلم الحق لا يشعر بالكئابة وأن هذا لا يعني سوى أن عنده خللا ما في إيمانه!
أنصح بقراءة المقالين التاليين:
طيب كيف نفهم هذه الآية دون الوقوع في تناقض مع الواقع المشاهد؟ في الحقيقة حين نراجع التفاسير في هذه الآية نجد أن هناك اختلافًا بين المفسرين في تحديد وقت المعشية الضنكا المذكورة في الآية! فهناك من قال أن العيشة الضنكا هي في الدنيا (وهو الفهم الشائع لدى عامة الناس) وهناك من قال أنها في القبر وهناك من قال أنها في الآخرة: "واختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المعرضين عن ذكره العيشة الضنك، والحال التي جعلهم فيها، فقال بعضهم: جعل ذلك لهم في الآخرة في جهنم، وذلك أنهم جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم." (تفسير الطبري). وهذا التفسير الوارد أكثر انسجاما وتوافقا مع واقع الحياة.
"فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا [المعيشة الضنك]، فقد يجب أن يكون كلّ من أعرض عن ذكر الله من الكفار، فإن معيشته فيها ضنك، وفي وجودنا كثيرا منهم أوسع معيشة من كثير من المقبلين على ذكر الله تبارك وتعالى، القائلين له المؤمنين في ذلك، ما يدلّ على أن ذلك ليس كذلك [...]" (تفسير الطبري).
ألا بذكر الله تطمئن القلوب:
لكن ماذا عن آية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28)؟
ليس هناك سبب واحد للطمأنينة، قد تطمئن القلوب بذكر الله، وقد تطمئن بأمور أخرى، وهذا لا ينافي أن يكون لأصحاب الأديان الأخرى أسباب تجعلهم يطمئنون سواء لمعتقداتهم أو لغيرها، والآية لم تذكر أن الذكر يذهب كل قلق أيا كان، بل تطمئن النفس التي هي خالية من دوافع القلق والتخبط. تخيلوا أن يكون هناك طفل ضائع وأمه قلقة تبحث عنه، فنقول لها اذكري الله ليطمئن قلبك! فلا يطمئن قلبها! لكن إذا رجع لها ولدها اطمأنت حتى إن لم تذكر الله! فالذكر سبب من أسباب عديدة تؤدي للطمأنينة ولا يشترط أن يذهب الذكر بدوافع القلق الأخرى.
الحياة الطيبة:
ماذا عن هذه الآية: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل ٩٧)؟
هذه الآية أيضا من المختلف في تفسيرها بين المفسرين وهناك من يرى أن المقصود بها حياة الجنة الطيبة: "وقال آخرون: بل معنى ذلك: الحياة في الجنة." (تفسير الطبري). فنفس ما يقال في آية المعيشة الضنكا يقال في هذه الآية أو غيرها.
الدخول في الإسلام:
ماذا عن الشخص يدخل في الإسلام ويقول أنه كان يعيش حياة تعيسة بلا معنى حتى وجد راحته في الإسلام؟
هذا الكلام ليس دليلا على شيء، فهو لا يعني أن كل من كان غير مسلم فلا بد أن تكون حياته تعيسة... هذا من ناحية أما من ناحية أخرى علينا أن لا ننسى قصص من دخلوا في ديانات أخرى أو في من تركوا الإسلام، هؤلاء أيضا فرحون بتبديل معتقداتهم ويحكون عن ماضيهم بسوداوية، فهل مشاعرهم هذه دليل على شيء؟
أحيانا الناس يتعاملون مع الفترات الانتقالية التي يمرون بها بشيء من الازدراء والكابوسية مع الماضي، فتجد نباتيا "تاب" من أكل اللحم، يقول كلاما رائعا عن التوافق مع الطبيعة واحساسه بالسلام الداخلي وهكذا... فمشاعر الناس وتقلباتهم وتعبيراتهم ليست دليلا على شيء، لأننا سنجد مثلها في كل دين ومعتقد.
أختم الكلام بهذا الاقتباس القيّم لمحمد الغزالي رحمه الله: "إنه لا ارتباط بين الصحة العقلية لفكرة من الفكر أو مذهب من المذاهب، وبين الراحة النفسية لدى المؤمين بهذه الفكرة أو المتشيعيين لهذا المذهب...
هذا والله أعلم.
هذا المقال مستوحى من نقاش دار بين أعضاء الصفحة، وبعضه اقتباسات فيها تصرف كثر أو قل لتعليقات حسن خالدي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرًا أو اصمت: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)