الخميس، 10 سبتمبر 2026

وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم... خرافة عمرها يزيد عن قرن!

 
لا أعتقد أن أحدًا منا لم تمر عليه وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم أو الكعبة وللقصة نسخ عدة تختلف في بعض تفاصيلها لكن ملخصها أنها (1): "قصة تتكلم عن شيخ يدعى أحمد قد شاهد في أحد أحلامه الرسول عليه الصلاه والسلام وقد أخبره صلى الله عليه وسلم بعدة أشياء -ذكرت في الخطاب - من أشياء وأحداث تحدث في الدنيا وما سيصيبهم في الآخرة ثم بعد ذلك أخذ في التكلم عن هذا الخطاب وأنه سبيل للتوفيق و الرزق وشفاعة الرسول يوم القيامة ولكن كل هذا يجب أن يكون عن طريق نسخ هذا الخطاب 25 نسخه وتوزيعها على الناس لكي يستفيدوا منها ويتعظ منها أكثر عدد ممكن من الناس وسوف يجازى من يفعل ذلك كما تقول الوصية بالتوفيق والنجاح والشفاعة ولكن التوفيق والنجاح لن يكون إلا بعد 4 أيام من قراءته للرسالة . أما بالنسبة لمن يهمل تلك الرساله ولا ينشرها فسوف يحرم من الشفاعة وسوف تحل به مصيبه أو مشكله بعد أربعه أيام من قراءتها. ثم اخذ في ذكر أمثلة لأشخاص نفذوا الوصية وماذا حصل لهم وأمثلة لناس أهملوها وماذا حصل لهم ."


الإسلام مكتمل

واضح بطلان هذه القصة لأي مسلم عنده وعي أو علم، (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ...) (المائدة 3)، فديننا مكتمل ولا نحتاج لوصية تزيد علينا شيئا من ديننا، يقول صاحب المنار (2): "أما حكم الرؤى والأحلام في الشرع فهو: أنه لا ينبني عليها حكم ولا يثبت بها شيء من الأشياء، حتى صرح العلماء بأن من يرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا ويتلقى منه أمرًا أو نهيًا لا يجوز له في اليقظة أن يعتمد على ذلك لعدم الثقة بضبطه لما يرى وانتفاء اختلاط الأمر عليه فيه، ولأن الله تعالى لم يتوف نبيه إليه إلا بعد أن أتم الدين على يديه ولم تبق حاجة إلى بيان آخر فيه [...]. ولكن عوام المسلمين وجهالهم كجهال سائر الملل يرون أن الرؤى والأحلام، من أركان العلم والعرفان، لا سيما إذا كان موضوعها الخرافات والأهوام." اهـ.


لا يعلم الغيب إلا الله

الادعاء بأن من ينشر هذه القصة سيحصل له كذا وكذا ومن لا ينشرها سيحصل له كذا وكذا كذب وافتراء، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذه بيديهيات ديننا. يقول القرضاوي (3): "إن هذه الوصية تحمل في طياتها دليل كذبها ودليل تزويرها، فصاحبها يهدد الناس ويخوفهم إذا لم ينشروها أن تصيبهم المصائب وتحل بهم الكوارث وأن يموت أبناؤهم وأن تفقد أموالهم، وهذا ما لم يقل به إنسان حتى في كتاب الله وفي سنة رسول الله – ﷺ – .

لم يؤمر الناس أن كل من قرأ القرآن كتبه ونشره، وأن من قرأ صحيح البخاري كتبه ونشره، وإلا حلت به المصائب، فكيف مثل هذه الوصايا التخريفية؟ هذا شيء لا يمكن أن يصدقه عقل مسلم يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا." اهـ


من هو الشيخ أحمد؟

ويبدو أن الشيخ أحمد هذا المزعوم شخصية خيالية وهمية لا وجود لها في أرض الواقع، يقول القرضاوي (3): "وطالما سألنا الناس في المدينة وفي الحجاز عن هذا المدعو الشيخ أحمد وعن وظيفته، فلم نعثر له على أثر ولم نسمع عنه خبرًا، ولم يعرف في وقت من الأوقات هذا الشيخ أحمد ولا رآه الناس في المدينة في يوم من الأيام ولم يسمعوا هناك هذا الخبر، ولكن جاء من يشيع في بلاد المسلمين مثل هذه الوصايا المحزنة." اهـ


خرافة عريقة!

ما يثير اهتمامي في هذه الخرافة أنها قديمة قديمة! جاءت حتى قبل عصر الإنترنت ونقرة الزر! تخيلوا! ذكرت لي أمي أن هذه القصة كانت (هي ذاتها أو شبيهة لها) موجودة في شبابها، تصل بالبريد ويقوم الناس بنسخها يدويًا وإعادة إرسالها في الظروف البريدية لمن يعرفون! يقول القرضاوي (3): "وهي وصية ليست وليدة اليوم ولا بنت الأمس، فقد رأيتها منذ عشرات السنين [...]"

بالرغم من علمي بقدمها وأنها سابقة لعصر الإنترنت إلا أن ما صدمني مؤخرًا هو أنها أقدم حتى مما تخيلته، وأن عمرها أكثر من مئة عام!!! تخيلوا! وعندي الدليل على هذا (4) فقد وجدتها في سؤال أُرسل لمجلة المنار وفيه الوصية المزيفة ورد المفتي عليها (الشيخ محمد رشيد رضا) في مقال عنوانه "الوصية المزورة باسم المدينة المنورة"! وتاريخ المقال كان صفر - ١٣٤٣ هـ! 

يعني تخيلوا من مئة سنة والناس تنسخ هذه الوصية المزورة بخط اليد ثم يبعثونها في وريقات يمينا ويسارا حتى جاء عصر الكمبيوترات والإنترنت فطبعها أحدهم على لوحة المفاتيح وأصبحت تُرسل بنقرة زر! وللناس في نشر الخرافات شؤون!

وهذا إن أثبت لي شيئًا فهو أن القضاء على الخرافات مستحيل، فها هي الخرافة تعيش وتنتشر حتى قبل عصر السرعة والإنترنت، فما بالك بيومنا هذا وكل شيء متاح بنقرة زر تسهل النشر السريع.


المراجع:

(1) نقلًا عن نص السؤال في الفتوى "وصية من يُدعى حامل مفاتيح حرم رسول الله كذب لا أصل لها" في موقع إسلام ويب.

(2) فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، ص١١٤

(3) مقال "الشيخ أحمد حامل مفاتيح الكعبة ووصيته المزعومة"، أرشيف إسلام أون لاين

(4) كتاب مجلة المنار، صفر - ١٣٤٣هـ  الوصية المزورة باسم المدينة المنورة


طالع أيضا:

عن المنامات راجع: تأويل وتفسير الأحلام حقيقة أم خرافة؟

عن عجائب نقرة الزر راجع: "الزر" وثقافة الاستسهال

هل إمام الحرمين وغيره رأوا رسول الله بالمنام وبلغهم شيئا؟ وهل يجب أن ننشرها؟

0 اقرأ المزيد »

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الجمع بين الأسباب والتوكل

0

 
[...] التوكل إنما يكون مع الأخذ بالأسباب، وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، والإنسان مسوق إليه بمقتضى {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ومأمور به في الشرع. قال -تعالى -: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15] وقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} [النساء: 71] وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] وقال: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] -راجع تفسيرها- وقال لنبيه لوط -عليه السلام -: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] وقال لنبيه موسى -عليه السلام-: {فأسر بعبادي ليلا} [النساء: 23] وقال في الحكاية عن نبيه يعقوب لنبيه يوسف -عليهما السلام -: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} [يوسف: 5] وقال حكاية عنه أيضا: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67] فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه، فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا تنافي بينهما، ولا غناء للمؤمن عنهما.

ذلك بأن الإنسان إذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهبته بحسب سنة الله في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا، كما قال -تعالى- في مسألة الإسراف في المال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وإذا هو استعد وأخذ بالأسباب واعتمد عليها غافلا قلبه عن الله - تعالى - فإنه يكون عرضة للجزع والهلع إذا خاب سعيه ولم ينل مراده فيفوته الصبر والثبات اللذان يهونان عليه الأمر، حتى لا يدري كيف يستفيد من الخيبة ويتدارك أمره فيها، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح؛ ولذلك قرن الله الصبر بالتوكل في عدة آيات من كتابه، قال - تعالى - حكاية عن الرسل -عليهم السلام - في محاجة أقوامهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] وذكروا أن الله هداهم سبله وهي سننه في الأسباب وأنهم موطنون أنفسهم على الصبر لأنهم متوكلون عليه - تعالى -. ووصف الذين هاجروا من بعد ما ظلموا بقوله: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 42] وقال: {نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [العنكبوت: 58 - 59] فوصفهم بالعمل وأسند إليهم الصبر والتوكل، وقال لخاتم أنبيائه ورسله: {فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون} [المزمل: 9 - 10] كما قال له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [الأحزاب: 48] فهاهنا قرن أمره بالتوكل بنهيه عن العمل بقول من لا يوثق بقوله لأنه يغش ولا ينصح، كما أنه قرنه بالأمر بالمشاورة في الآية السابقة من الآيات التي نحن بصدد تفسيرها أعني قوله: {وشاورهم في الأمر} وكل ذلك من اتخاذ الأسباب سلبا وإيجابا.

وجاء ذكر التوكل في مقام ذكر الحرمان من الرزق أو من سعته، كما جاء في مقام الصبر على إيذاء المعتدين كقوله -تعالى -: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] وقوله في مقام وجوب نبذ الاغترار بسعة الرزق خشية الغفلة عن الآخرة: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [الشورى: 63] وحسبنا هذه الآيات في هداية القرآن وتحقيقه في مقام الجمع بين الأسباب والتوكل [...].


محمد رشيد رضا، تفسير المنار، آل عمران، 159-160

طالع أيضًا:

الله يجري إرادته بالأسباب والمسببات

اقرأ المزيد »

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

هل الإنسان مخير أم مسير؟

0


وتحرير الكلام في هذه المسألة أنه - تعالى - بين لنا في كتابه ثلاث حقائق، وبين لنا ضلال الذين ضلوا فيها واحتجوا بواحدة على بطلان الأخرى:


(الحقيقة الأولى) أنه - تعالى - هو خالق كل شيء الذي بيده ملكوت كل شيء وبمشيئته يجري كل شيء، فلا قاهر له على شيء وهو القاهر فوق كل شيء.


(الحقيقة الثانية) أن خلقه وتدبيره إنما يجري بحسب مشيئته وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير { { قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137] وفي تفسير كثير من الآيات التي تذكر فيها المشيئة أو السنن الإلهية.


(الحقيقة الثالثة) أن من جملة سننه في خلقه وقدره في تدبير عباده أن الإنسان خلق ذا علم ومشيئة وإرادة وقدرة، فيعمل بقدرته وإرادته ما يرى بحسب ما وصل إليه علمه وشعوره أنه خير له. والآيات الناطقة بأن الإنسان يعمل وبعمله تناط سعادته وشقاوته في الدنيا والآخرة كثيرة جدا. وهو ليس في ذلك معارضا لمشيئة الله ولا مزيلا لها، بل مشيئته تابعة لمشيئة الله ومظهر من مظاهرها كما قال: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } [التكوير: 29] وقد جرت سنته بأن يشاء لنا أن نعمل عندما يترجح في علمنا أن العمل خير من تركه، وأن نترك عندما يترجح في علمنا أن الترك خير من الفعل، كما هو معلوم لكل من يعرف ما هو الإنسان.


وإننا نرى الكتاب العزيز يذكر بعض هذه الحقائق الثلاث في بعض الآيات ويسكت عن الأخرى؛ لأن المقام يقتضي ذلك - ولكل مقام مقال - ولكنه ينكر على من يجحد شيئا منها جحوده ويبين لنا خطأه وضلاله كما بين خطأ الذين قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } في موضع وبين خطأ من ينكر مشيئته - تعالى - في موضع آخر، فهو ينكر على من ينكر ما آتاه الله من المواهب والقوى، ويكفر له نعمة العلم والإرادة والقدرة لا سيما في مقام الاعتذار عن تقصيره في شكر هذه القوى باستعمالها في الخير والحق، كما ينكر من يغفل عن كونه - تعالى - هو المنعم بهذه القوى التي يجلب بها الخير عندما تبطره النعمة فينسبها لنفسه وحده وينسى ذكر ربه وشكره. وقد جمع - تعالى - بين الأمرين في بعض المواضع كقوله في سورة النساء: { { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } [النساء: 78 - 79].


وقد صرحوا بأن هذه الآيات نزلت في قوم من المسلمين آمنوا، ثم لما علموا بأنه كتب عليهم القتال ضعفوا وأنكروا وقالوا ما قالوا احتجاجا لأنفسهم واعتذارا عنها، فأجابهم - تعالى - مبينا لهم الحقيقة الأولى، وهي أن كل شيء من الله من حيث إنه الخالق للقوى والواضع للسنن والمقادير، ثم بين لهم الفرع الذي اقتضى المقام بيانه من فروع الحقيقة الثانية وهو أن الحسنة التي تصيب الإنسان هي من عند الله، بمعنى أنه خالقها وواضع السنن الطبيعية والاجتماعية التي يوصل بها إليها والخالق للقوى الكاسبة لأسبابها، فينبغي أن يذكر عندها ليشكر عليها وأن السيئة التي تصيبه من عند نفسه، بمعنى أنه الكاسب لها والمنحرف عن سنن الله وشريعته في طريق تحصيلها، فيجب أن يرجع على نفسه باللائمة ويردها إلى التوبة، كذلك الآية [(... يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران 154)] قد جمعت بين الحقيقتين. الأولى قوله - تعالى -: { إن الأمر كله لله } والثانية قوله: { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } أي لما حصل القتل الثابت في علم الله - تعالى - إلا ببروزهم من بيوتهم إلى مواضع القتال التي يصرعون فيها. وبروزهم هذا من أعمالهم الاختيارية [...] ويؤيد إثباتها لحقيقة عمل الإنسان واختياره الآية الكريمة التالية وهي:


{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان بالوسوسة [...].


[...] توليهم عن القتال لم يكن إلا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل، فإنها هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم حتى أعدتها إلى ما وقع منها، ويؤيد هذا الوجه قوله - تعالى -: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] [...]، فالآيتان واردتان في بيان سنة من سنن الله - تعالى - في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في أبدانهم وشئونهم الاجتماعية إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، وأن من أعمالهم ما لا يترتب عليه عقوبة تعد مصيبة وهو المعفو عنه، أي الذي مضت سنة الله - تعالى - بأن يعفى ويمحى أثره من النفس، فلا يترتب عليه الأعمال وهو بعض اللمم والهفو الذي لا يتكرر ولا يصير ملكة وعادة. وقد عبر عنه في الآية التي هي الأصل والقاعدة في بيان هذه السنة بقوله: { ويعفو عن كثير } [الشورى: 30] ويؤيد ذلك قوله - تعالى -: { { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } [فاطر: 45] أي بجميع ما كسبوا، فإن " ما " من الكلمات التي تفيد العموم [...].


أما قوله - تعالى -: { ولقد عفا عنكم والله } فالعفو فيه غير العفو في آية الشورى، ذلك عفو عام وهذا عفو خاص، ذلك عفو يراد به أن من سنة الله في فطرة البشر أن تكون بعض هفواتهم وذنوبهم غير مفضية إلى العقوبة بالمصائب في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا العفو خاص بالمؤمنين يراد به أن ذنبهم يوم أحد الذي كان من شأنه أن يعاقب عليه في الدنيا والآخرة قد كانت عقوبته الدنيوية تربية وتمحيصا وعفا الله عن العقوبة عليه في الآخرة، ولذلك قال: { إن الله غفور حليم } لا يعجل بتحتيم العقاب. ومن آيات مغفرته لهم وحلمه بهم توفيقهم للاستفادة مما وقع منهم وإثابتهم الغم الذي دفعهم إلى التوبة حتى تمحص ما في قلوبهم واستحقوا العفو عن ذنوبهم.

 



اقرأ المزيد »

الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

قصة قتل بني قريظة... بين القرآن وحكايات المؤرخين!

0


من الأمور المثيرة للجدل والتي [يتم تناولها] باعتبارها مؤشراً على العنف الذي ترافق مع نشوء وانطلاق الإسلام وتجربة المسلمين التاريخية: قضية ما جرى على يهود بني قريظة، الذين تعرضوا بحسب ما تقول القصة لمقتلة عظيمة أدت إلى استئصالهم جميعاً وإبادتهم، وذلك بإمضاء وإشراف رسول الله (ص)!.

وعلينا أن نولي هذا الأمر أهمية خاصة وندرسه بشجاعة وموضوعية بعيداً عن الصخب العاطفي أو التهويل الإعلامي لنتحرى عن الحقيقة ونتبينّ ما جرى فعلاً، فهل فعلاً حصلت هذه المجزرة التي تفاخرت بعض المصادر الإسلامية التاريخية بالحديث عنها؟ [...].


بين حكاية القرآن وحكاية المؤرخين!

ولعل أهم المفارقات التي تواجه الباحث هو أنّ حكاية القرآن الكريم لهذه الحادثة لا تنسجم كثيراً مع الرواية التاريخية لمجريات القضية، وهذا ما يثير الشك والريبة في مدى دقة الرواية التاريخية، فإنّ قضية بني قريظة قد سجّلها القرآن الكريم وتحدّث عنها في آيتين أوجزتا ما جرى، وذلك في سياق حديثه عما جرى في وقعة الأحزاب، والآيتان هما قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًاً} [الأحزاب 26- 27].

ونزول هاتين الآيتين في قضية بني قريظة أمر [...] معروف ومشهور لدى المفسرين والمؤرخين [2].

 إنّ الآيتين الكريمتين المتقدمتين لم تتحدثا عن مجزرة وذبح بدم بارد تعرضت لها تلك الجماعة التي ظاهرت المشركين وناصرتهم، ولم تشرْ إلى نزولهم على حكم أحد، ومن ثمّ تعرضهم لعملية إبادة شاملة وحكم بإعدام كافة الذكور الذين نبت الشعر على عاناتهم، وسبي للأطفال والنساء.. وإنما تحدثت الآيتان عن نهاية لتلك الجماعة (بنو قريظة) وسيطرة المسلمين على أرضهم وأموالهم، أمّا مصيرهم - بحسب ما أشارت الآية الأولى - فلم يكن هو القتل العام والإبادة الشاملة بعد خضوعهم ونزولهم على حكم المسلمين، بل المستفاد من الآية الأولى أنّ قسماً منهم قد قتل، وقسماً آخر أسر، وهذه الآية وإن لم تحدد لنا طريقة القتل، وأنّه حصل أثناء المعركة أو أنه تمّت تصفيتهم بعد استسلامهم، لكن يمكن القول: إنّ مقابلة القتل للأسر توحي بأنّ الذين قتلوا لم يؤسروا، ما قد يرجح أنّهم قتلوا في معركة، ولو كان بنو قريظة كلهم قد نزلوا على حكم سعد، ومن ثمّ قتلوا بأجمعهم فلا معنى لهذا التقابل بين القتل والأسر في الآية.

 بعبارة أخرى: يستفاد من الآية أنّ القتل حدث بالموازاة مع الأسر، لا أنّه متفرِع عليه، كما تنص الرواية التاريخية، وعليه، فلا يمنع من أن تكون هناك معركة معيّنة قد نشبت مع بني قريظة وأسفرت عن قتل بعضهم وأسر آخرين، ولا تشير الآية إلى ما جرى مع الأسرى.

أضف إلى ذلك أنّ الأسر لا يكون إلا نتيجة معركة، بينما الرواية المشهورة تتحدث عما يشبه استسلام لبني قريظة ونزولهم على حكم سعد. وهذا النزول وما أعقبه من سبي الأطفال والنساء لا يعدّ أسراً، قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال-67].

ربما يقال: إنّ الآية تشي بأنّ القتل والأسر حصل بعد إنزالهم عن صياصيهم، فيكون مؤيدا لحصول الاستسلام دون قتال ثم حصول القتل والأسر. ولكن الظاهر أنّ إنزالهم من صياصيهم هو كناية عن هزيمتهم وتقهقر قوتهم والمتمثل والمتحقق بالقتل والأسر.

هذا ما يمكن فهمه من القرآن الكريم، ومن الطبيعي أنّ الرواية القرآنية هي الأدق والأصح، ولا يمكننا أن نثق بما يخالفها. [...].


إشكالات [...]

[...] الرواية المتداولة تنسب إلى المسلمين أنّهم قتلوا كل ذكر بالغ سواء قاتل أو لم يقاتل، وسواء كان شاباً محارباً أو شيخاً كبيراً أو فتى صغيراً ولو في أوائل البلوغ، وكانوا يعرفون البلوغ من خلال إنبات الشعر [19]، وثمّة أسئلة ترد هنا من قبيل:

- أنه إذا كان هناك مبرر لقتل الشباب المقاتلين فما المبرر لقتل الشيوخ؟! (والشيوخ كانوا حتماً موجودين، فنحن عندما نتحدث عن جماعة يكاد عدد رجالها الذين قتلوا يلامس الألف طبقاً لبعض الروايات فهذا يعني أن هذه الجماعة كان فيها العشرات من الشيوخ والمسنين) والحال أنّ الحرب في الإسلام لها قوانينها الأخلاقية ومن هذه القوانين تجنب قتل الشيوخ، [...]، أيعفى عن الشيخ في المعركة الضروس بعد تحقق النصر، ويقتل صبراً في حال قبل النزول على حكم المسلمين دون معركة راجياً العفو ومتأملاً الصفح؟!

- ومن قبيل أنه هل كل أولئك الفتية الذين نبت الشعر على عاناتهم للتو مشاركين في الحرب ونقض العهد وخيانة المسلمين والغدر بهم؟! إنّ هذا أمر مستبعد للغاية، ففي العادة لا يكون هؤلاء الفتية الذين راهقوا البلوغ أصحاب رأي ولا لديهم بأجمعهم استعداد لخوض الحرب فضلاً عن أن يكون لهم دور في نقض العهود أو المساهمة والمشاركة في الغدر والخيانة، وإنما يفعل ذلك بعض كبرائهم وساداتهم [...]، وعليه، فليس ثمّة مبرر إلا لقتل من اشترك في الخيانة والعدوان ونقض العهود فقط، وأمّا البقيّة ومنهم الشيوخ والعجزة والفتية الصغار فلا مبرر لقتلهم؟ ألا يعدّ قتلهم حينئذٍ ظلماً ومنافًياً لقاعدة العدل القرآنية: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [النجم 38]؟! وفي الحدّ الأدنى ألا يعدّ ذلك منافياً لأخلاقيات النبي الكريم (ص) التي عرف بها، وهو المشهور بالعفو والصفح عمّن أساء وظلم؟!

- [...] ثمّ إنّ ثمة تساؤلاً يفرض نفسه في المقام، وهو أنّه إذا كان الذين قتلوا من بني قريظة هم بالمئات، فإنّ العدد الذي يفترض أن يكون السبايا والأسرى الذين استعبدوا عدداً كبيراً يزيد على هؤلاء فأين بيعوا وأين ذهبوا...!؟ قد لا نجد جواباً مقنعاً على ذلك ما يبعث على مزيد من التشكيك في الحادثة، ويؤشر إلى المبالغات التي اكتنفتها.

[السؤال الآخر الذي يراودني: هو ماذا حل بجثث هؤلاء والتي تعد بالمئات؟ كيف تخلص المسلمون من هذا العدد الكبير من الجثث؟ وهل تم دفنهم وأين تم دفنهم؟ وماذا يقول السجل الأحفوري في هذا الأمر؟]

-وربما شكك البعض بالحادثة، من زاوية ما روي عن قتل الأسرى، وهو أمر مستغرب ومرفوض، ولا يعقل إقدام النبي (ص) عليه، لأنّ القرآن الكريم وضع قاعدة في التعامل مع الأسرى وهي المنّ أو الفداء، قال تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد 4].


[...] الرأي الأقرب: قتل من حزّب منهم

ولكنّ الإنصاف يدفعنا إلى القول: إنّ الملاحظات المتقدمة [...] لا توجب تكذيب الحادثة من أصلها، وإنما تبعث على التشكيك في تفاصيل تلك الرواية المشهورة، وتدفع إلى ترجيح ما ذكره بعض المؤرخين من أن سعد بن معاذ إنّما حكم أن "يقتل من حزّب منهم عليه.." [25]، ولم يقتلهم جميعاً، والذين حزبوا هم - بحسب العادة - رؤوس القوم وذوي الرأي والبأس فيهم، وليس كل الرجال الذين قيل: إنّ عددهم بلغ تسعمائة وقيل أقل من ذلك، يقول ابن إسحاق إنّ عددهم بلغ "ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة" [26]، ويذكر بعضهم أنّ عددهم كان أربعمائة [27]، وإنّ هذا التضارب الكبير حول عددهم هو عنصر آخر يثير الريبة، ولا يتسنى لنا فهمه إلا على أساس المبالغة التي تحصل في مثل هذه الحالات، حيث إننا نلحظ ميلاً ورغبة -لدى المنتصرين- بتعظيم الإنجازات من خلال الإكثار من أعداد قتلى عدوّهم أو تضخيم بطولاتهم. وهذا ما يؤكده لنا تاريخ الحروب في الماضي والحاضر، فالمبالغات فيها معروفة [...].

 ومما يشهد إلى أنّ عدد المقتولين لم يصل إلى المئات كما قيل، بل كان قليلاً ولعله لم يتجاوز المائة، أنّ رواية ابن إسحاق [29] تنصّ على أنّه بعد استسلام يهود بني قريظة ونزولهم على حكم سعد بن معاذ، أُخذوا وحُبسوا في دار بنت الحارث (وهي امرأة من بني النجّار)، وعليه [...] فهل يعقل أن تضمَ دار بنت الحارث هذا العدد الكبير من الرجال، ولا سيما بملاحظة بيوت ذلك الزمان؟! إنّ هذا أمر مستبعد للغاية.


حسين الخشن (بتصرف واختصار)


طالع أيضا:

هل تم الهجوم على بني المصطلق وهم غافلون؟


 ==

[2] جامع البيان عن تأويل آي القرآن ج 21ص ،181، وتفسير القمي ج 2 ص 189، والسيرة النبوية ج 2 ص 725، 726.

[19] قال ابن إسحاق:" وكان رسول الله (ص) قد أمر بقتل من أنبت منهم". أنظر: السيرة النبوية ج 2 ص 721.

[25] الوفا695، وتبناه بعض العلماء المعاصرين، انظر: الصحيح من السيرة ج 12 ص 88.

[26] السيرة النبوية ج 2 ص 719.

[27] سنن الترمذي ج 3 ص 72.

[29] السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 719.

اقرأ المزيد »

لماذا العنكبوت أنثى في القرآن؟ حقيقة الإعجاز العلمي

0


من عجيب ما قرأته في حق قوله تعالى في سورة العنكبوت: (... كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ...) (العنكبوت 42)، أن استخدام كلمة "اتخذت" هكذا مؤنثة بإضافة تاء التأنيث عليها ليس عشوائيا بل فيه من الدقة والإعجاز لأن أنثى العنكبوت هي وحدها التي تبني البيت بينما الذكر لا يقوم ببناء البيت، وفعلا هذا هو ما أثبته العلم الحديث! ويبدو أن هذه المعلومة منتشرة بكثرة في صفحات الإنترنت المختلفة، فما مدى صحتها؟ 

أولًا نبدأ بالقاعدة العامة التي يجب أن يلتزمها كل عاقل وهي: عندما تقرأ جملا على سياق: "أثبت العلم الحديث"، "تقول الدراسات العلمية"، "اكتشف العلماء الغربيون"، مباشرة اسأل وتأكد وتثبت، أين هي هذه الدراسات؟ ما المصدر عليها؟ من هم هؤلاء العلماء... إلخ. لا تقبل بالكلام دون تحقق وتأكد، وإلا كنت في عداد السذج الذين يصدقون كل ما يمر بهم من أكاذيب وتفاهات.

بالبحث السريع في الموضوع وجدت أن هناك تقريبا 50 ألف نوع من العناكب اكتشفها العلماء (سبحان الله!)، وأغلب هذه الأنواع لا تنتج شبكات وإن كانوا جميعًا ينتجون خيوط الحرير نفسها سواء للتنقل أو غيره (1)، وليس صحيحا أن الذكور لا ينتجون شبكات بل هناك أنواع منها تنتج الشبكات لأسباب مختلفة، ووجدت هذا البحث يبحث في موضوع إنتاج بعض أنواع من ذكور العناكب لشبكاتهم (2)، ويبدو أن أغلب ذكور العنكبوت تتوقف عن إنتاج الشبكات حين تكبر لتترك شبكاتها بحثًا عن شريكة للتوالد (3). فها هو الأمر من الناحية العلمية يسقط.

أما من الناحية اللغوية فكلنا يعرف أن كلمة عنكبوت مؤنثة وهي لا يُقصد بها أنثى العنكبوت فحسب بل تشمل الذكور والإناث، فعند الحديث عن العنكبوت كل شخص عربي ذو لغة سليمة سيستخدم صيغة المؤنث وهو بذلك يقصد جنس العنكبوت ككل بذكوره وإناثه، وفي اللغة العربية كل أسماء الحيوانات والمخلوقات إما مذكر أو مؤنث وذلك لا علاقة له بالذكورة والأنوثة، فالنحلة مؤنثة، والنملة مؤنثة، والفراشة مؤنثة، وتستخدم هذه الكلمات للدلالة على جنس الحشرة ككل شاملا بذلك الذكور والإناث، بينما مثلا عندنا الصرصور والجندب أسماءهم مذكرة، فهذه قواعد لغوية لا علاقة لها بذكورة وأنوثة. فالآية تستخدم قواعد اللغة حين تتحدث عن العنكبوت بصيغة المؤنث ولا تهدف لتقرير حقيقة علمية من عدمه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت 41).

وبهذا يتبين تهافت هذه المعجزة العلمية المزيفة وعدم صحتها لا لغويا ولا علميا.


المصادر:

(1) National Geographic: How spider silk is one of the most versatile materials on EarthByJason Bittel September 12, 2019

 

(2) Functional Web Built by Adult Male Bowl and Doily Spiders1985 The Journal of Arachnology 13:397


(3) Ever Wonder About Spider Webs?, Science World, Tue, Dec 9, 2014


طالع أيضا:

حقيقة الإعجاز العلمي في بيت العنكبوت

اقرأ المزيد »

الخميس، 4 سبتمبر 2025

هل الجبال تتحرك؟ حقيقة معجزة "وهي تمر مر السحاب"

0


الكثير من الناس يسوق آية (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل 88) ليستدل على إعجاز علمي على حركة الصفائح الأرضية، أو على دوران الأرض. مع أن الرائي (وترى الجبال) لن يرى أبدا شيئا يدور حتى يكون منفصلا عنه، لا معه في الحركة. وأيضا مرّ السحاب السريع لا يتوافق أبدا لوصف حركة القارّات البطيئة جدا.

لذا الأيسر من هذا التكلّف كله، هو اعتبار الآية واقعة يوم القيامة، وهذا لسببين:

1- السياق الخاص بالآية

2- تفسير القرآن لنفسه في مواطن أخرى، أو السياق العام للقرآن

السياق الخاص: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...)، واضح أنه يوم ينفخ في الصور ثم جاءت الآية بعدها عن الجزاء (فهم من فزع يومئذ آمنون).

- السياق العام في آيات أخرى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّا) وسياق يوم القيامة واضح جدا.

وآية أخرى (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) يعني يوم القيامة.

(وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ولا تُحشر الوحوش إلا يوم القيامة.

[يقول الشنقيطي (1): "جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة؛ كقوله تعالى: يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا [ 52 \ 10 ]، وقوله تعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة [ 18 \ 47 ]، وقوله تعالى: وسيرت الجبال فكانت سرابا [ 78 \ 20 ]، وقوله تعالى: وإذا الجبال سيرت [ 81 \ 3 ] ." اهـ.]

وقد جاءت آيات بنسف الجبال وتلاشيها مثل: (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ) (المرسلات 10)، ونتساءل عن الجمع؟ وآية (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) تجيبنا عن الأمرين. فهي تُسيّر وتنسف وذلك يوم القيامة فقط.


بقلم حسن خالدي (بتصرف)


المراجع:

(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ج6، ص145

اقرأ المزيد »

السبت، 9 أغسطس 2025

حقيقة كحل الإثمد وفوائده

0


كحل إثمد حجازي أسود... الكحل النبوي... كحل عربي أصيل طبيعي لتجميل العيون وتقويتها... يعالج الالتهابات والإجهاد... ينظف العين ويحميها... يساعد الرموش على النمو ويعالج الصلع... كحل حجر أصلي بماء زمزم... وغيرها وغيرها من عناوين وادعاءات... 

من الشائع كثيرا في دولنا العربية الاكتحال بالكحل العربي التقليدي أو ما يسمى بكحل الإثمد، وتستخدمه النساء الكبيرات والصغيرات والمرضعات والحوامل، وهناك حتى من يكحل به عيون الأطفال والرضع! 

لكن ذات يوم لفت انتباهي تعليق فايسبوكي من شخص يحذر الناس من استخدام كحل الإثمد ومخاطره الصحية العظيمة، فقمت بالبحث عن الأمر فوجدت هذا الشخص محقًا ووجدت الدراسات العلمية التي تحذر منه والتي قام فيها الباحثون بفحص عينات الكحل المتوفرة في الأسواق ليجدوا فيها نسبًا غير سليمة من الملوثات المحظورة وأبرزها مادة الرصاص (4، 5، 6).

ولا يخفى على أحد مخاطر التسمم بالرصاص على الكبار فما بالك لو تم الاستخدام من قبل الأطفال أو النساء الحوامل فيؤدي ذلك لإنجاب أطفال مصابين بالتخلف العقلي أو تأخر في النمو أو حتى الموت لا قدر الله.

وللأسف يتم الترويج لاستخدام هذه الأكحال بادعاء أنها سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم (3) وأنه كان يكتحل ويحث على الاكتحال، وروي أنه قال: (إِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ)، لكن بحسب أهل العلم فإن ليس كل ما يمارسه الرسول صلى الله عليه وسلم من عادات تعارف عليها الناس في وقته يعتبر سنة وتشريعا يجب الاقتداء بها (1)، فالرسول ابن بيئته فلا يمنع أن يستخدم أو ينصح باستخدام ما هو شائع في وقته ويعتقده نافعًا لقومه، وقد فصلنا في هذا الأمر في مقالات عدة سابقة وضعنا بعضها في الهامش أسفله، واستخدام الكحل معروف من آلاف السنين ويستخدمه الناس للتجميل أو للعلاج وغيره وقد استخدمه فراعنة مصر وغيرهم (6)، وليس مختصا بالعرب وحدهم، فالأمر مجرد عادات تعارفت عليها الشعوب من قديم ولا يصح أن نعتبره تشريعا ودينا، هذا بفرض صحة نسبة الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أنه من أحاديث الآحاد التي هي ظنية النسبة للرسول لا قطعية.

الخلاصة: لا يصح أبدًا استخدام كحل الإثمد المتوفر في الأسواق بعد ثبوت ضرره على الصحة، وعلى الحكومات أن تسارع في توعية الناس وسحبه من السوق ومنع استخدامه خصوصا في حق الأطفال الذين لا ذنب لهم.

والله أعلم.


المراجع

(1) السنة تشريع وغير تشريع

(2) الطب النبوي حقيقة أم خرافة؟

(3) فتاوى موقع الإسلام سؤال وجواب: كحل الإثمد ، تعريفه ، ومصدره ، وفوائده ، وضوابط استعماله للنساء والرجال

(4) Parry, C., & Eaton, J. (1991). Kohl: a lead-hazardous eye makeup from the Third World to the First World. Environmental Health Perspectives, 94, 121–123. https://doi.org/10.1289/ehp.94-1567936

(5) Filella, M., Martignier, A., & Turner, A. (2020). Kohl containing lead (and other toxic elements) is widely available in Europe. Environmental Research, 187, 109658. https://doi.org/10.1016/j.envres.2020.109658

(6) De Caluwé, J. (2009). Intoxication saturnine provoquée par l’usage prolongé de khôl, une cause sous-estimée dans les pays francophones. Journal Français D Ophtalmologie, 32(7), 459–463. https://doi.org/10.1016/j.jfo.2009.06.005

اقرأ المزيد »

| مقطع مرئي |