الأحد، 12 أغسطس 2018

أخطاء منهجية واستدلالية في فهم الكوارث الطبيعية لدى المسلمين



أحببت أن أشير إلى بعض النقاط المنهجية والاستدلالية في قضية "الكوارث الطبيعية" إثر الإعصارات، بعيدا عن هُم ونحن:

- الآيات القرآنية التي تدل على أن الله تعالى عذّب أقواما بظواهر طبيعية، هي من كلام الله الذي يعرِف مراده من تلك الظاهرة فبيّنه عبر آياته. ولا يُمكن لأحد بعد انقطاع الوحيْ أن يجزِم بذلك. وليس السبب لأن ذلك غيب فقط، بل هناك سبب أولى منه، وهو أن الظواهر الطبيعية ما هي إلا تقلبات عادية جدا، يمكن أن تقع لأي شخص أو جماعة، فهي "إفرازات أو أفعال" كائنات أخرى. مثل أن يطأ إنسان على النمل، فهو يمشي دوما. ولا أحد يزعُم أن مجرد قتل النمل كان بسبب أنهم نمل أحمر أو أسود! إلا أن يكون ذلك مقصودا، ولا يُعرف ذلك من مجرد "عمليّة الوطء" بل من صاحب الفعل.

- وجود عذاب وعقاب على شكل ظواهر طبيعية في القرآن، جعل البعض يستدل بمنطق عكسي مفادُه: بما أنّ العذاب كان ظاهرة طبيعية، إذن كل ظاهرة طبيعية عذابٌ. وواضح أنّ هذا قياس خاطئ وواهم. إذ لو كان كذلك، لأرّخ القرآن لكل الكوارث الطبيعية التي كان فيها بشر. لكنه لم يفعل، بل تحدّث عن الظواهر التي اجتمع فيها أمران: إرادة العقاب، وتمرّد على رسول في سجال دعويّ.
 
- وجود آيات تحدد من كانت له الكارثة عذابا، أو من سيدخل النار أو من نافق. لا يعني أنّه يمكننا فعل ذلك لمجرد أننا نقرأها، فقد حُكم على أبي لهب بالنار قبل موته بسنين، فهل يمكننا ذلك حتى إن حكمنا على حاله في الحاضر؟ أم مشيئة الله في الجنة والنار غيب، ومشيئته في الكوارث مسطورة في الكتب؟ أم عندهم الغيب فهم يكتبون!

- إن اعتبار الكارثة الطبيعية متعلقة بحال الناس، مثل اعتبار الغنى والفقر متعلقا برضى وسخط الله، خصوصا أن الغنى والفقر له علاقة بظواهر طبيعية أيضا، مثل الثروات الباطنية والغابات وغيرها، وقد نفى الله هذا المنطق من الأساس في آية "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن" الآية...
 
فلماذا نعتبر الكارثة فقط، من دون الظواهر الطبيعية الأخرى، هي التي تحتكم إلى العقاب والمجازاة؟ فهل ازدهار بلد بالخيرات ليست ظاهرة طبيعية؟ فلماذا لا نفسّرها بأنها تدل على رضى الله أو سخطه؟!! (وهذا يدل على أنّ وصف كارثة حلّت بقوم يخصّهم فقط)
فضلا على أنّ خطوة واحدة فقط ستجعل من المغضوب عليهم مرضيين، يهاجر الأول لمكان الثاني الذي يتواجد في خط الزلازل أو مناخ عنيف، وفجأة ينقلب كلّ شيء. فهل مجرد تواجدهم سيغير المناخ؟

- في الحقيقة غاية العذاب في الظاهرة، ليس لها مؤشر حتى عند من يقول به. سوى موقع المتضرر من المُفسّر للظاهرة، بمعنى أنه لو اعتبرهم أعداء لهم سيُسند لهم ذلك العقاب كاستحقاق. وإن كانوا موالين له، سيعتبره مجرّد اختبار أو أمرا عاديا واردا. والكارثة الطبيعة الواحدة، تُفسّر من كل طائفة بشكل مُغاير، فمن له قضية دينية يفسّرها أنه انتقام من الربّ، ومن عنده قضية إيكولجية، سيقول أنها عقاب من الطبيعة، ومن له قضية أخلاقية فسيعتبرها تحقيقا للعدالة التي تنتصر دائما.. وهكذا...هلاميّة ومغالطة تستدعي معرفة من وقعت الظاهرة عليه حتى يُمكننا الجزم. ولو كنّا نعرف أنه عقاب، لما احتجنا أن نعرف من تضرر به قبل الجزم به! فإخراج قرار رسمي مثلا قصدَ معاقبة أحد. يُعرف قبل تطبيق ذلك القرار أو معرفة ذلك الشخص! فتأملوا...

- لم ينتبه الذين سارعوا بالاستشهاد بالآيات والتّشفي، أنّهم لم يكونوا في سجال دعويّ ولا قاموا بمهمة الصبر على الدعوة (تقصير واضح، نظريا وسلوكيا). فهناك فرق بين أن يكون الإنسان على علم بالإسلام، وبين أن يعرفه جيدا ويرى معجزات مع الأنبياء كما حصل من قبل. فحتى من سألوا عيسى عليه السلام المائدة، توعّدهم الله بتغيير درجة السماحة معهم، حتى قال لمن كفر بعد رؤيتها: {فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبُه أحدا من العالمين} وهذا دليل على درجات المؤاخذة عند الله.

- هذا الاعتقاد سائد أكثر ما يكون وسط "صراع سياسي وعسكري" بمعنى أن المظلومين ينتظرون أن ينتصر الله سبحانه من المعتدين، أكثر مما هو صراع "إيمان وكفر". لأن بين المسلمين من يقول كفرا أكبر من أعدائنا، ولا نُعذّب بأقوالهم ولا أفعالهم. ولو كان الله يهلك الظلمة والجبابرة لما كان تجبرٌ واستبداد على مرّ التاريخ! فهي فكرة خاطئة من الأساس.

- نسي المسلمون بأن أغلب من يصاب هم ضعفاء القوم، والأطفال. أما أكابر مجرميها وأصحاب القرارات فهُم محميون ويسارعون بمغادرة البلاد إن تطلب الأمر. فيظهرون بمظهر "وحشيّ" لا تكافُل فيه ولا تعاطف مع المتضرّرين. متناسين أن الحرب نفسها حتى إن أعلنوها وقاموا بها بأنفسهم، فإنهم أمِروا بعدم الاعتداء على الأطفال والشيوخ والنساء، وألا يمثّلوا ولا يعذبوا وأن يرحموا الأسرى وأن يُداوو من كان يتألّم عندهم!

- قال البعض أنّ هناك تفسيرا عقليا أو علميا وآخر إيمانيا للظاهرة، وفي الحقيقة لا يوجد تفسير إيماني يقابل العلمي، هناك تفسير واحد لآلية حدوثها، أما الإيمان فيفسّر به أصحابه "الغاية" من الظاهرة أو "مَنْ وَرَاء الظاهرة". وبسبب هذه الثنائية لم يتحرّج المؤمنون من الجزم بأن العذاب (التفسير الإيماني) لا يتعارض مع الكيفية العلمية. وعدم التفريق هذا أثّر أيضا على من أنكر بشكل قاطع أن تكون الكارثة الطبيعية ذات مغزى أو غاية ربانيّة. فلما اكتشفوا التفسير العلمي لحدوث الظاهرة وضعوه مكان المغزى أو التفسير الميتافيزيقيّ (الذي كان يفسر الكيفية بالغاية). فأنكروا بالأول وجود الثاني، مع أنّ العلاقة بينهما منتفية! فكان منشأ الخطأ واحدا لكن النتيجة مختلفة.

ولنفرض أن لوحة الخط العربي هي الظاهرة، عندما أريد كتابتها فإني أتّبع قواعدَ معيّنة وتقنيات ووسائل. لكن لا أحد يُمكنه استنتاج "لماذا كتبْتُها" هل هي هدية أو من أجل معرض أو للبيع... أو أن أقوم بمقلب مُهين، بآلية معيّنة تحترم كل قوانين الكيماء والفيزياء، لكنّ سببَ قيامي به أهو عقاب، أو انتقام، أو مجرد مزاح. هذا لن يعرفه من يشاهد المقلب!

فالتقنيات تحتكم للقوانين العلمية، أما الغاية فهو شيء لا يُفصح عنه إلا صاحبُه.

والخلاصة: الأصل أن التقلبات الطبيعية شيء عادي ومن صميم النظام البيئي، حتى إن لم يكن بشر على وجه الأرض! وأن العذاب من الله قد يكون بأشكال شتى، لكن المشكل هي في طريقة الاستدلال والرجم بالغيب.
حسن خالدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

| مقطع مرئي |

اكتب عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا: