الخميس، 10 سبتمبر 2026

وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم... خرافة عمرها يزيد عن قرن!

 
لا أعتقد أن أحدًا منا لم تمر عليه وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم أو الكعبة وللقصة نسخ عدة تختلف في بعض تفاصيلها لكن ملخصها أنها (1): "قصة تتكلم عن شيخ يدعى أحمد قد شاهد في أحد أحلامه الرسول عليه الصلاه والسلام وقد أخبره صلى الله عليه وسلم بعدة أشياء -ذكرت في الخطاب - من أشياء وأحداث تحدث في الدنيا وما سيصيبهم في الآخرة ثم بعد ذلك أخذ في التكلم عن هذا الخطاب وأنه سبيل للتوفيق و الرزق وشفاعة الرسول يوم القيامة ولكن كل هذا يجب أن يكون عن طريق نسخ هذا الخطاب 25 نسخه وتوزيعها على الناس لكي يستفيدوا منها ويتعظ منها أكثر عدد ممكن من الناس وسوف يجازى من يفعل ذلك كما تقول الوصية بالتوفيق والنجاح والشفاعة ولكن التوفيق والنجاح لن يكون إلا بعد 4 أيام من قراءته للرسالة . أما بالنسبة لمن يهمل تلك الرساله ولا ينشرها فسوف يحرم من الشفاعة وسوف تحل به مصيبه أو مشكله بعد أربعه أيام من قراءتها. ثم اخذ في ذكر أمثلة لأشخاص نفذوا الوصية وماذا حصل لهم وأمثلة لناس أهملوها وماذا حصل لهم ."


الإسلام مكتمل

واضح بطلان هذه القصة لأي مسلم عنده وعي أو علم، (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ...) (المائدة 3)، فديننا مكتمل ولا نحتاج لوصية تزيد علينا شيئا من ديننا، يقول صاحب المنار (2): "أما حكم الرؤى والأحلام في الشرع فهو: أنه لا ينبني عليها حكم ولا يثبت بها شيء من الأشياء، حتى صرح العلماء بأن من يرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا ويتلقى منه أمرًا أو نهيًا لا يجوز له في اليقظة أن يعتمد على ذلك لعدم الثقة بضبطه لما يرى وانتفاء اختلاط الأمر عليه فيه، ولأن الله تعالى لم يتوف نبيه إليه إلا بعد أن أتم الدين على يديه ولم تبق حاجة إلى بيان آخر فيه [...]. ولكن عوام المسلمين وجهالهم كجهال سائر الملل يرون أن الرؤى والأحلام، من أركان العلم والعرفان، لا سيما إذا كان موضوعها الخرافات والأهوام." اهـ.


لا يعلم الغيب إلا الله

الادعاء بأن من ينشر هذه القصة سيحصل له كذا وكذا ومن لا ينشرها سيحصل له كذا وكذا كذب وافتراء، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذه بيديهيات ديننا. يقول القرضاوي (3): "إن هذه الوصية تحمل في طياتها دليل كذبها ودليل تزويرها، فصاحبها يهدد الناس ويخوفهم إذا لم ينشروها أن تصيبهم المصائب وتحل بهم الكوارث وأن يموت أبناؤهم وأن تفقد أموالهم، وهذا ما لم يقل به إنسان حتى في كتاب الله وفي سنة رسول الله – ﷺ – .

لم يؤمر الناس أن كل من قرأ القرآن كتبه ونشره، وأن من قرأ صحيح البخاري كتبه ونشره، وإلا حلت به المصائب، فكيف مثل هذه الوصايا التخريفية؟ هذا شيء لا يمكن أن يصدقه عقل مسلم يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا." اهـ


من هو الشيخ أحمد؟

ويبدو أن الشيخ أحمد هذا المزعوم شخصية خيالية وهمية لا وجود لها في أرض الواقع، يقول القرضاوي (3): "وطالما سألنا الناس في المدينة وفي الحجاز عن هذا المدعو الشيخ أحمد وعن وظيفته، فلم نعثر له على أثر ولم نسمع عنه خبرًا، ولم يعرف في وقت من الأوقات هذا الشيخ أحمد ولا رآه الناس في المدينة في يوم من الأيام ولم يسمعوا هناك هذا الخبر، ولكن جاء من يشيع في بلاد المسلمين مثل هذه الوصايا المحزنة." اهـ


خرافة عريقة!

ما يثير اهتمامي في هذه الخرافة أنها قديمة قديمة! جاءت حتى قبل عصر الإنترنت ونقرة الزر! تخيلوا! ذكرت لي أمي أن هذه القصة كانت (هي ذاتها أو شبيهة لها) موجودة في شبابها، تصل بالبريد ويقوم الناس بنسخها يدويًا وإعادة إرسالها في الظروف البريدية لمن يعرفون! يقول القرضاوي (3): "وهي وصية ليست وليدة اليوم ولا بنت الأمس، فقد رأيتها منذ عشرات السنين [...]"

بالرغم من علمي بقدمها وأنها سابقة لعصر الإنترنت إلا أن ما صدمني مؤخرًا هو أنها أقدم حتى مما تخيلته، وأن عمرها أكثر من مئة عام!!! تخيلوا! وعندي الدليل على هذا (4) فقد وجدتها في سؤال أُرسل لمجلة المنار وفيه الوصية المزيفة ورد المفتي عليها (الشيخ محمد رشيد رضا) في مقال عنوانه "الوصية المزورة باسم المدينة المنورة"! وتاريخ المقال كان صفر - ١٣٤٣ هـ! 

يعني تخيلوا من مئة سنة والناس تنسخ هذه الوصية المزورة بخط اليد ثم يبعثونها في وريقات يمينا ويسارا حتى جاء عصر الكمبيوترات والإنترنت فطبعها أحدهم على لوحة المفاتيح وأصبحت تُرسل بنقرة زر! وللناس في نشر الخرافات شؤون!

وهذا إن أثبت لي شيئًا فهو أن القضاء على الخرافات مستحيل، فها هي الخرافة تعيش وتنتشر حتى قبل عصر السرعة والإنترنت، فما بالك بيومنا هذا وكل شيء متاح بنقرة زر تسهل النشر السريع.


المراجع:

(1) نقلًا عن نص السؤال في الفتوى "وصية من يُدعى حامل مفاتيح حرم رسول الله كذب لا أصل لها" في موقع إسلام ويب.

(2) فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، ص١١٤

(3) مقال "الشيخ أحمد حامل مفاتيح الكعبة ووصيته المزعومة"، أرشيف إسلام أون لاين

(4) كتاب مجلة المنار، صفر - ١٣٤٣هـ  الوصية المزورة باسم المدينة المنورة


طالع أيضا:

عن المنامات راجع: تأويل وتفسير الأحلام حقيقة أم خرافة؟

عن عجائب نقرة الزر راجع: "الزر" وثقافة الاستسهال

هل إمام الحرمين وغيره رأوا رسول الله بالمنام وبلغهم شيئا؟ وهل يجب أن ننشرها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرًا أو اصمت: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)

| مقطع مرئي |