الأربعاء، 1 أبريل 2026

الجمع بين الأسباب والتوكل

 
[...] التوكل إنما يكون مع الأخذ بالأسباب، وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، والإنسان مسوق إليه بمقتضى {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ومأمور به في الشرع. قال -تعالى -: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15] وقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} [النساء: 71] وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] وقال: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] -راجع تفسيرها- وقال لنبيه لوط -عليه السلام -: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] وقال لنبيه موسى -عليه السلام-: {فأسر بعبادي ليلا} [النساء: 23] وقال في الحكاية عن نبيه يعقوب لنبيه يوسف -عليهما السلام -: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} [يوسف: 5] وقال حكاية عنه أيضا: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67] فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه، فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا تنافي بينهما، ولا غناء للمؤمن عنهما.

ذلك بأن الإنسان إذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهبته بحسب سنة الله في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا، كما قال -تعالى- في مسألة الإسراف في المال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وإذا هو استعد وأخذ بالأسباب واعتمد عليها غافلا قلبه عن الله - تعالى - فإنه يكون عرضة للجزع والهلع إذا خاب سعيه ولم ينل مراده فيفوته الصبر والثبات اللذان يهونان عليه الأمر، حتى لا يدري كيف يستفيد من الخيبة ويتدارك أمره فيها، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح؛ ولذلك قرن الله الصبر بالتوكل في عدة آيات من كتابه، قال - تعالى - حكاية عن الرسل -عليهم السلام - في محاجة أقوامهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] وذكروا أن الله هداهم سبله وهي سننه في الأسباب وأنهم موطنون أنفسهم على الصبر لأنهم متوكلون عليه - تعالى -. ووصف الذين هاجروا من بعد ما ظلموا بقوله: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 42] وقال: {نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [العنكبوت: 58 - 59] فوصفهم بالعمل وأسند إليهم الصبر والتوكل، وقال لخاتم أنبيائه ورسله: {فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون} [المزمل: 9 - 10] كما قال له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [الأحزاب: 48] فهاهنا قرن أمره بالتوكل بنهيه عن العمل بقول من لا يوثق بقوله لأنه يغش ولا ينصح، كما أنه قرنه بالأمر بالمشاورة في الآية السابقة من الآيات التي نحن بصدد تفسيرها أعني قوله: {وشاورهم في الأمر} وكل ذلك من اتخاذ الأسباب سلبا وإيجابا.

وجاء ذكر التوكل في مقام ذكر الحرمان من الرزق أو من سعته، كما جاء في مقام الصبر على إيذاء المعتدين كقوله -تعالى -: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] وقوله في مقام وجوب نبذ الاغترار بسعة الرزق خشية الغفلة عن الآخرة: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [الشورى: 63] وحسبنا هذه الآيات في هداية القرآن وتحقيقه في مقام الجمع بين الأسباب والتوكل [...].


محمد رشيد رضا، تفسير المنار، آل عمران، 159-160

طالع أيضًا:

الله يجري إرادته بالأسباب والمسببات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرًا أو اصمت: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)

| مقطع مرئي |